تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
يقول : فعلنا ذلك بهم لئلا يصدقوا بهذا القرءان ، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا ، كما رأت ذلك الأمم الذين قص الله قصصهم في هذه السورة . ورفع قوله
لا يُؤْمِنُونَ
لأن العرب من شأنها إذا وضعت في موضع مثل هذا الموضع " لا " ربما جزمت ما بعدها ، وربما رفعت فتقول : ربطت الفرس لاتنفلت ، وأحكمت العقد لا ينحل ، جزما ورفعا . وإنما تفعل ذلك لأن تأويل ذلك : إن لم أحكم العقد انحل ، فجزمه على التأويل ، ورفعه بأن الجازم غير ظاهر . ومن الشاهد على الجزم في ذلك قول الشاعر :
لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا * أو جئتنا ماشيا لا يعرف الفرس
وقول الآخر :
لطالما حلأتماها لا ترد * فخلياها والسجال تبترد
القول في تأويل قوله تعالى :
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . . .
أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ
يقول تعالى ذكره : فيأتي هؤلاء المكذبين بهذا القرآن ، العذاب الأليم بغتة ، يعني فجأة
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
يقول : لا يعلمون قبل ذلك بمجيئه حتى يفجأهم بغتة .
فَيَقُولُوا
حين يأتيهم بغتة
هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
أي هل نحن مؤخر عنا العذاب ، ومنسأ في آجالنا لنثوب ، وننيب إلى الله من شركنا وكفرنا بالله ، فنراجع الإيمان به ، وننيب إلى طاعته . وقوله :
أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ
يقول تعالى ذكره : أفبعذابنا هؤلاء المشركون يستعجلون بقولهم : لن نؤمن لك حتى تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ . . .
ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
يقول تعالى ذكره : ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون على كفرهم بآياتنا ، وتكذيبهم رسولنا .
ما أَغْنى عَنْهُمْ
يقول : أي شيء أغنى عنهم التأخير الذي أخرنا في آجالهم ، والمتاع الذي متعناهم به من الحياة ، إذ لم يتوبوا من شركهم ، هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالا ، وهل نفعهم شيئا ، بل ضرهم بازديادهم من الآثام ، واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ
إلى قوله
ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
قال : هؤلاء أهل الكفر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى
. . . لَمَعْزُولُونَ
يقول تعالى ذكره :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ
من هذه القرى التي وصفت في هذه السور
إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ
يقول : إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم .
ذِكْرى
يقول : إلا لها منذرون ينذرونهم ، تذكرة لهم وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا . ففي الذكرى وجهان من الإعراب : أحدهما النصب على المصدر من الإنذار على ما بينت ، والآخر : الرفع على الابتداء ، كأنه قيل : ذكرى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى
قال : الرسل . قال ابن جريج : وقوله :
ذِكْرى
قال : الرسل . قوله :
وَما كُنَّا ظالِمِينَ
يقول : وما كنا ظالميهم في تعذيبنا هم وإهلاكهم ، لأنا إنما أهلكناهم ، إذ عتوا علينا ، وكفروا نعمتنا ، وعبدوا غيرنا بعد
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71 | محمد بن جرير الطبري