تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
قال : بعث الله إليهم ظلة من سحاب ، وبعث إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض ، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة ، حتى إذا اجتمعوا كلهم ، كشف الله عنهم الظلة ، وأحمى عليهم الشمس ، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى . وقوله :
إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
يقول تعالى ذكره : إن عذاب يوم الظلة كان عذاب يوم لقوم شعيب عظيم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ
يقول تعالى ذكره : إن في تعذيبنا قوم شعيب عذاب يوم الظلة ، بتكذيبهم نبيهم شعيبا ، لآية لقومك يا محمد ، وعبرة لمن اعتبر ، إن اعتبروا أن سنتنا فيهم بتكذيبهم إياك ، سنتنا في أصحاب الأيكة .
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
في سابق علمنا فيهم
وَإِنَّ رَبَّكَ
يا محمد
لَهُوَ الْعَزِيزُ
في نقمته ممن انتقم منه من أعدائه
الرَّحِيمُ
بمن تاب من خلقه ، وأناب إلى طاعته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . . .
الْمُنْذِرِينَ
يقول تعالى ذكره : وإن هذا القرآن
لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ
والهاء في قوله
وَإِنَّهُ
كناية الذكر الذي في قوله :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ
. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ
قال : هذا القرآن . واختلف القراء في قراءة قوله
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة
نَزَلَ
به مخففة
الرُّوحُ الْأَمِينُ
رفعا بمعنى : أن الروح الأمين هو الذي نزل بالقرآن على محمد ، وهو جبريل . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة
نَزَلَ
مشددة الزاي
الرُّوحُ الْأَمِينُ
نصبا ، بمعنى : أن رب العالمين نزل بالقرآن الروح الأمين ، وهو جبريل عليه السلام . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وذلك أن الروح الأمين إذا نزل على محمد بالقرآن ، لما ينزل به إلا بأمر الله إياه بالنزول ، ولن يجهل أن ذلك كذلك ذو إيمان بالله ، وأن الله إذا أنزله به نزل . وبنحو الذي قلنا في أن المعني بالروح الأمين في هذا الموضع جبريل قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبى ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
قال : جبريل . حدثنا الحسن ، قال أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قول الله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
قال : جبريل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج قال :
الرُّوحُ الْأَمِينُ
جبريل . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
الرُّوحُ الْأَمِينُ
قال : جبريل . وقوله
عَلى قَلْبِكَ
يقول : نزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمد ، حتى وعيته بقلبك . وقوله :
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
يقول : لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أرسلوا إليه من قومهم ، فتنذر بهذا التنزيل قومك المكذبين بآيات الله . وقوله :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
يقول : لتنذر قومك بلسان عربي مبين ، يبين لمن سمعه أنه عربي ، وبلسان العرب نزل ، والباء من قوله
بِلِسانٍ
من صلة قوله :
نَزَلَ
، وإنما ذكر تعالى ذكره أنه نزل هذا القرآن بلسان عربي مبين في هذا الموضع ، إعلاما منه مشركي قريش أنه أنزله كذلك ، لئلا يقولوا إنه نزل بغير لساننا ، فنحن إنما نعرض عنه ولانسمعه ، لأنا لا نفهمه ، وإنما هذا تقريع لهم ، وذلك أنه تعالى ذكره قال :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
.
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 68 | محمد بن جرير الطبري