ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن محمد بن أبي موسى ، قال : كنت واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة ، فتلا هذه الآية :
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
قال : لو نزل على بعيري هذا فتكلم به ما آمنوا به
لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ
حتى يفقهه عربي وعجمي ، لو فعلنا ذلك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت داود بن أبي هند ، عن محمد بن أبي موسى ، قال : كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة ، فقرأ هذه الآية
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
فقرأه عليهم ، قال : فقال : جملي هذا أعجم ، فلو أنزل على هذا ما كانوا به مؤمنين . وروي عن قتادة في ذلك ما . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة :
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
قال : لو نزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به ، لأنهم لا يعرفون بالعجمية . وهذا الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له ، لأنه وجه الكلام أن معناه :
ولو أنزلناه أعجميا ، وإنما التنزيل
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
يعني : ولو نزلنا هذا القرآن العربي علي بهيمة من العجم أو بعض ما لا يفصح ، ولم يقل : ولو نزلناه أعجميا . فيكون تأويل الكلام ما قاله . وقوله
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ
يقول : فقرأ هذا القرآن على كفار قومك يا محمد الذين حتمت عليهم أن لا يؤمنوا ذلك الأعجم ما كانوا به مؤمنين . يقول : لم يكونوا ليؤمنوا به ، لما قد جرى لهم في سابق علمي من الشقاء ، وهذا تسلية من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن قومه ، لئلا يشتد وجده بإدبارهم عنه ، وإعراضهم عن الاستماع لهذا القرآن ، لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدا حرصه على قبولهم منه ، والدخول فيما دعاهم إليه ، حتى عاتبه ربه على شدة حرصه على ذلك منهم ، فقال له :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
ثم قال مؤيسه من إيمانهم وأنهم هالكون ببعض مثلاته ، كما هلك بعض الأمم الذين قص عليهم قصصهم في هذه السورة . ولو نزلناه على بعض الأعجمين يا محمد لا عليك ، فإنك رجل منهم ، ويقولون لك : ما أنت إلا بشر مثلنا ، وهلا نزل به ملك ، فقرأ ذلك الأعجم عليهم هذا القرآن ، ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق ، وأنه تنزيل من عندي ، ما كانوا به مصدقين ، فخفض من حرصك على إيمانهم به ، ثم وكد تعالى ذكره الخبر عما قد حتم على هؤلاء المشركين ، الذين آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من الشقاء والبلاء ، فقال : كما حتمنا على هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
فقرأه عليهم .
كَذلِكَ سَلَكْناهُ
التكذيب والكفر
فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
ويعني بقوله : سلكنا : أدخلنا ، والهاء في قوله
سَلَكْناهُ
كناية من ذكر قوله
ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
، كأنه قال : كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ
قال : الكفر
فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
. . . . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان ، عن حميد ، عن الحسن ، في هذه الآية :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
قال :
خلقناه . حدثني علي بن سهل قال : ثنا زيد ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، قال : سألت الحسن في بيت أبي خليفة ، عن قوله
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
قال : الشرك سلكه في قلوبهم . وقوله :
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ