تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
بعضها بعضا ، حتى نقص بعضها بعضا ، فهو حينئذ هضيم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : الهضيم : هو المتكسر من لينه ورطوبته ، وذلك من قولهم : هضم فلان حقه : إذا انتقصه وتحيفه ، فكذلك الهضم في الطلع ، إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه إما بمس الأيدي ، وإما بركوب بعضه بعضا ، وأصله مفعول صرف إلى فعيل . وقوله :
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
يقول تعالى ذكره : وتتخذون من الجبال بيوتا . واختلفت القراء في قراءة قوله
فارِهِينَ
فقرأته عامة قراء أهل الكوفة :
فارِهِينَ
بمعنى : حاذقين بنحتها . وقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : " فرهين " بغير ألف ، بمعنى : أشرين بطرين . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القراء في قراءته ، فقال بعضهم : معنى فارهين : حاذقين . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثام ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح وعبد الله بن شداد :
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
قال أحدهما : حاذقين ، وقال الآخر : يتجبرون . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا مروان ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح :
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
قال : حاذقين بنحتها . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
فارِهِينَ
يقول : حاذقين . وقال آخرون : معنى فارهين : مستفرهين متجبرين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن عبد الله بن شداد في قوله : " فرهين " قال : يتجبرون . قال أبو جعفر : والصواب : فارهين . وقال آخرون ممن قرأه فارهين : معنى ذلك : كيسين . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
فارِهِينَ
قال : كيسين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك أنه قرأ
فارِهِينَ
قال : كيسين . وقال آخرون : فرهين : أشرين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله : وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين يقول : أشرين ، ويقال : كيسين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " بيوتا فرهين " قال : شرهين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بمثله . وقال آخرون : معنى ذلك : أقوياء . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : " وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين " قال : الفره : القوي . وقال آخرون في ذلك بما : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة ، في قوله : " فرهين " قال : معجبين بصنيعكم . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن قراءة من قرأها
فارِهِينَ
وقراءة من قرأ " فرهين " قراءتان معروفتان ، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في علماء القراء ، فبأتيهما قرأ القارئ فمصيب . ومعنى قراءة من قرأ
فارِهِينَ
حاذقين بنحتها ، متخبرين لمواضع نحتها ، كيسين ، من الفراهة . ومعنى قراءة من قرأ " فرهين " : مرحين أشرين . وقد يجوز أن يكون معنى فاره وفره واحدا ، فيكون فاره مبنيا على بنائه ، وأصله من فعل يفعل ، ويكون فره صفة ، كما يقال : فلان حاذق بهذا الأمر وحذق . ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر عدي بن وادع العوفي من الأزد :
لا أستكين إذا ما أزمة أزمت * ولن تراني بخير فاره الطلب