تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
في الأرض . واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون . وأعانكم به من بين المواشي والبنين . والبساتين والأنهار .
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ
من الله
عَظِيمٍ
. القول في تأويل قوله تعالى :
قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ . . .
بِمُعَذَّبِينَ
يقول تعالى ذكره : قالت عاد لنبيهم هود صلى الله عليه وسلم : معتدل عندنا وعظك إيانا ، وتركك الوعظ ، فلن نؤمن لك ولن نصدقك على ما جئتنا به . وقوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ؛ فقرأته عامة قراء المدينة سوى أبي جعفر ، وعامة قراء الكوفة المتأخرين منهم :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
من قبلنا : وقرأ ذلك أبو جعفر ، وأبو عمرو بن العلاء : " إن هذا خلق الأولين " بفتح الخاء وتسكين اللام بمعنى : ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين وأحاديثهم . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، نحو اختلاف القراء في قراءته ، فقال بعضهم : معناه : ما هذا إلا دين الأولين وعادتهم وأخلاقهم . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
يقول : دين الأولين . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
يقول : هكذا خلقة الأولين ، وهكذا كانوا يحيون ويموتون . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما هذا إلا كذب الأولين وأساطيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
قال : أساطير الأولين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
قال : كذبهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
قال : إن هذا إلا أمر الأولين وأساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن علقمة ، عن ابن مسعود :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
يقول : إن هذا إلا اختلاق الأولين . حدثنا ابن المثنى قال ثنا يزيد بن هارون ، قال أخبرنا داود ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن عبد الله ، أنه كان يقرأ
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
ويقول شيء اختلقوه . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : قال علقمة :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
قال : اختلاق الأولين . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب : قراءة من قرأ
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
بضم الخاء واللام ، بمعنى : إن هذا إلا عادة الأولين ودينهم ، كما قال ابن عباس ، لأنهم إنما عوتبوا على البنيان الذي كانوا يتخذونه ، وبطشهم بالناس بطش الجبابرة ، وقلة شكرهم ربهم فيما أنعم عليهم ، فأجابوا نبيهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك ، احتذاء منهم سنة من قبلهم من الأمم ، واقتفاء منهم آثارهم ، فقالوا : ما هذا الذي نفعله إلا خلق الأولين ، يعنون بالخلق : عادة الأولين . ويزيد ذلك بيانا وتصحيحا لما اخترنا من القراءة والتأويل ، قولهم :
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
لأنهم لو كانوا لا يقرون بأن لهم ربا يقدر على تعذيبهم ، ما قالوا :
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
بل كانوا يقولون : إن هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خلق الأولين ، وما لنا من معذب يعذبنا ، ولكنهم كانوا مقرين بالصانع ، ويعبدون الآلهة ، على نحو ما كان مشركو العرب يعبدونها ، ويقولون إنها تقربنا إلى الله زلفى ، فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوته :
سَواءٌ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 60 | محمد بن جرير الطبري