تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
متاع ندخله بغير إذن ؛ لأن الإذن إنما يكون ليؤنس المأذون عليه قبل الدخول ، أو ليأذن للداخل إن كان له مالكا أو كان فيه ساكنا . فأما إن كان لا مالك له ، فيحتاج إلى إذنه لدخوله ولا ساكن فيه ، فيحتاج الداخل إلى إيناسه والتسليم عليه ، لئلا يهجم على ما لا يحب رؤيته منه ، فلا معنى للاستئذان فيه . فإذا كان ذلك ، فلا وجه لتخصيص بعض ذلك دون بعض ، فكل بيت لا مالك له ولا ساكن من بيت مبني ببعض الطرق للمارة والسابلة ليأووا إليه ، أو بيت خراب قد باد أهله ولا ساكن فيه ، حيث كان ذلك ، فإن لمن أراد دخوله أن يدخل بغير استئذان ، لمتاع له يؤويه إليه أو للاستمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك . وأما بيوت التجار ، فإنه ليس لأحد دخولها إلا بإذن أربابها وسكانها . فإن ظن ظان أن التاجر إذا فتح دكانه وقعد للناس فقد أذن لمن أراد الدخول عليه في دخوله ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ؛ وذلك أنه ليس لأحد دخول ملك غيره بغير ضرورة ألجأته إليه أو بغير سبب أباح له دخوله إلا بإذن ربه ، لا سيما إذا كان فيه متاع ؛ فإن كان التاجر قد عرف منه أن فتحه حانوته إذن منه لمن أراد دخوله في الدخول ، فذلك بعد رجع إلى ما قلنا من أنه لم يدخله من دخله إلا بإذنه . وإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن من معنى قوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
في شيء ، وذلك أن التي وضع الله عنا الجناح في دخولها بغير إذن من البيوت ، هي ما لم يكن مسكونا ، إذ حانوت التاجر لا سبيل إلى دخوله إلا بإذنه وهو مع ذلك مسكون ، فتبين أنه مما عنى الله من هذه الآية بمعزل . وقال جماعة من أهل التأويل : هذه الآية مستثناة من قوله : الاستئذان
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
. ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ
الاستئذان ثم نسخ واستثنى فقال :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
. حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة :
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
الآية ، الاستئذان فنسخ من ذلك ، واستثني فقال :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
. وليس في قوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
دلالة على أنه استثناء من قوله :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
؛ لأن قوله :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
الاستئذان حكم من الله في البيوت التي لها سكان وأرباب . وقوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
حكم منه في البيوت التي لا سكان لها ولا أرباب معروفون ، فكل واحد من الحكمين حكم في معنى غير معنى الآخر ، وإنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان من جنسه أو نوعه في الفعل أو النفس ، فأما إذا لم يكن كذلك فلا معنى لاستثنائه منه . وقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ
يقول تعالى ذكره : والله يعلم ما تظهرون أيها الناس بألسنتكم من الاستئذان إذا استأذنتم على أهل البيوت المسكونة ،
وَما تَكْتُمُونَ
يقول : وما تضمرونه في صدوركم عند فعلكم ذلك ما الذي تقصدون به : إطاعة الله والانتهاء إلى أمره ، أم غير ذلك ؟ . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ
غض البصر يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
بالله وبك