بذلك من فيه ، وهل فيه أحد ؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم ، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك ، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم . وقد حكي عن العرب سماعا : اذهب فاستأنس ، هل ترى أحدا في الدار ؟ بمعنى : انظر هل ترى فيها أحدا ؟ فتأويل الكلام إذن ، إذا كان ذلك معناه : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا ، وذلك أن يقول أحدكم : السلام عليكم ، أدخل ؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير ، إنما هو : حتى تسلموا وتستأذنوا ، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس . وقوله :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
يقول : استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله ، فإن دخولكموه خير لكم ؛ لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن ، على ماذا تهجمون ؟ على ما يسوءكم أو يسركم ؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن ، لم تدخلوا على ما تكرهون ، وأديتم بذلك أيضا حق الله عليكم في الاستئذان والسلام . وقوله :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
يقول : لتتذكروا بفعلكم ذلك أو الله عليكم ، واللازم لكم من طاعته ، فتطيعوه .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
الاستئذان يقول تعالى ذكره : فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا يأذن لكم بالدخول إليها ، فلا تدخلوها ، لأنها ليست لكم ، فلا يحل لكم دخولها إلا بإذن أربابها ، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها .
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
يقول : وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها ارجعوا فلا تدخلوها ، فارجعوا عنها ولا تدخلوها ؛
هُوَ أَزْكى لَكُمْ
يقول : رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا ، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها ، أطهر لكم عند الله . وقوله :
هُوَ
كناية من اسم الفعل ، أعني من قوله :
فَارْجِعُوا
. وقوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
يقول جل ثناؤه : والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بيوت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه ، ذو علم محيط بذلك كله ، محص جميعه عليكم ، حتى يجازيكم على جميع ذلك . وكأن مجاهد يقول في تأويل ذلك ما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً
قال : إن لم يكن لكم فيها متاع ، فلا تدخلوها إلا بإذن .
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
الاستئذان . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن حريج ، عن مجاهد ، مثله . قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا هاشم بن القاسم المزني ، عن قتادة ، قال :
قال رجل من المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني ، فيقول لي : ارجع ، فأرجع وأنا مغتبط ، لقوله :
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
.
وهذا القول الذي قاله مجاهد في تأويل قوله :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً
الاستئذان بمعنى : إن لم يكن لكم فيها متاع ، قول بعيد من مفهوم كلام العرب ؛ لأن العرب لا تكاد تقول : ليس بمكان كذا أحد ، إلا وهي تعني ليس بها أحد من بني آدم . وأما الأمتعة وسائر الأشياء غير بني آدم ومن كان سبيله سبيلهم فلا تقول ذلك فيها . القول في تأويل قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ
الاستئذان يقول تعالى ذكره : ليس عليكم أيها