تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
قال : ما زكى : ما أسلم . وقال : كل شيء في القرآن من " زكى " أو " تزكى " فهو الإسلام . وقوله :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يقول : والله سميع لما تقولون بأفواهكم وتلقونه بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم ، عليم بذلك كله وبغيره من أموركم ، محيط به محصيه عليكم ، ليجازيكم بكل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره : الحلف ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم ، يعني ذوي التفضل والسعة ؛ يقول : وذوو الجدة . واختلف القراء في قراءة قوله :
وَلا يَأْتَلِ
؛ فقرأته عامة قراء الأمصار .
وَلا يَأْتَلِ
بمعنى : يفتعل من الألية ، وهي القسم بالله ؛ سوى أبي جعفر وزيد بن أسلم . فإنه ذكر عنهما أنهما قرآ ذلك : " ولا يتأل " بمعنى : يتفعل ، من الألية . والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ :
وَلا يَأْتَلِ
بمعنى يفتعل من الألية ؛ وذلك أن ذلك في خط المصحف كذلك ، والقراءة الأخرى مخالفة خط المصحف ، فاتباع المصحف مع قراءة جماعة القراء وصحة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله . وإنما عني بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حلفه بالله لا ينفق على مسطح ، فقال جل ثناؤه : الحلف ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله ألا يعطوا ذوي قرابتهم فيصلوا به أرحامهم ، كمسطح ، وهو ابن خالة أبي بكر .
وَالْمَساكِينَ
يقول : وذوي خلة الحاجة ، وكان مسطح منهم ، لأنه كان فقيرا محتاجا .
وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله ، وكان مسطح منهم ؛ لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا .
وَلْيَعْفُوا
يقول وليعفوا عما كان منهم إليهم من جرم ، وذلك كجرم مسطح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك .
وَلْيَصْفَحُوا
يقول : وليتركوا عقوبتهم على ذلك ، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك ، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم .
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
يقول : ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم ، فيترك عقوبتكم عليها .
وَاللَّهُ غَفُورٌ
لذنوب من أطاعه واتبع لذنوب من أطاعه واتبع أمره ،
رَحِيمٌ
بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره وطاعتهم إياه ، على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها وتابوا إليه من فعلها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، وعن سعيد بن المسيب ، وعن عروة بن الزبير ، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة . قال : وثني ابن إسحاق ، قال : ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة . قال : وثني ابن إسحاق ، قال : ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة ، قالت : لما نزل هذا يعني قوله :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
في عائشة ، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر ، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال وأدخل عليها ما أدخل قالت : فأنزل الله في ذلك :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
الآية . قالت : فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه ، وقال : والله