تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : ولهم عذاب عظيم
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
ف " اليوم " الذي في قوله :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
من صلة قوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
. وعني بقوله :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
يوم القيامة ؛ وذلك حين يجحد أحدهما ما اكتسب في الدنيا من الذنوب عند تقرير الله إياه بها ، فيختم الله على أفواههم ، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . فإن قال قائل : وكيف تشهد عليهم ألسنتهم حين يختم على أفواههم ؟ قيل : عني بذلك أن السنة بعضهم تشهد على بعض ، لا أن ألسنتهم تنطق وقد ختم على الأفواه . وقد : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا عمرو ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله ، فجحد وخاصم ، فيقال له : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك ، فيقول : كذبوا فيقول : أهلك وعشيرتك ، فيقول : كذبوا فيقول : أتحلفون ؟ فيحلفون . ثم يصمتهم الله ، وتشهد ألسنتهم ، ثم يدخلهم النار " . القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
يوفيهم الله حسابهم وجزاءهم الحق على أعمالهم . والدين في هذا الموضع : الحساب والجزاء ، كما : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ
يقول : حسابهم . واختلفت القراء في قراءة قوله :
الْحَقَّ
فقرأته عامة قراء الأمصار
دِينَهُمُ الْحَقَّ
نصبا على النعت للدين ، كأنه قال : يوفيهم الله أعمالهم حقا . تم أدخل في الحق الألف واللام ، فنصب بما نصب به الدين . وذكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك : " يوفيهم الله دينهم الحق " برفع " الحق " على أنه من نعت الله . حدثنا بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن جرير بن حازم ، عن حميد ، عن مجاهد ، أنه قرأها " الحق " بالرفع . قال جرير : وقرأتها في مصحف أبي بن كعب يوفيهم الله الحق دينهم . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، وهو نصب " الحق " على اتباعه إعراب " الدين " لإجماع الحجة عليه . وقوله :
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
يقول : ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب ، ويزول حينئذ الشك فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون . القول في تأويل قوله تعالى :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ؛ فقال بعضهم : معناه الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول ، والطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من القول . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ
يقول : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول . وقوله :
وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ
يقول : الطيبات من القول للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من القول . نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان . ويقال : الخبيثات للخبيثين : الأعمال الخبيثة تكون للخبيثين ، والطيبات من