تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
سائر النساء غيرهن القذف . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
الآية ، القذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة . وقال آخرون : نزلت هذه الآية في شأن عائشة ، وعني بها كل من كان بالصفة التي وصف الله هذه الآية . قالوا : فذلك حكم كل من رمى محصنة لم تقارف سوءا القذف . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا زيد ، عن جعفر بن برقان ، قال : سألت ميمونا ، قلت : الذي ذكر الله :
الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
إلى قوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فجعل في هذه توبة ، وقال في الأخرى :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ
إلى قوله :
لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
القذف قال ميمون : أما الأولى فعسى أن تكون قد قارفت ، وأما هذه فهي التي لم تقارف شيئا من ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام بن حوشب ، عن شيخ من بني أسد ، عن ابن عباس ، قال : فسر سورة النور ، فلما أتى على هذه الآية :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
الآية ، القذف قال : هذا في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي مبهمة ، وليست لهم توبة . ثم قرأ :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
إلى قوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا
الآية ، قال : فجعل لهؤلاء توبة ، ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة . قال : فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر سورة النور . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
القذف قال : هذا في عائشة ، ومن صنع هذا اليوم في المسلمات فله ما قال الله ، ولكن عائشة كانت إمام ذلك . وقال آخرون : نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، القذف فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة فأوجب الجلد وقبل التوبة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي قال : ثنا أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
إلى :
عَذابٌ عَظِيمٌ
القذف يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، رماهن أهل النفاق ، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله . وكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نزل بعد ذلك :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
إلى قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فأنزل الله الجلد والتوبة ، فالتوبة تقبل ، والشهادة ترد . وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في شأن عائشة ، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها . وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب ، لأن الله عم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
القذف كل محصنة غافلة مؤمنة رماها رام بالفاحشة ، من غير أن يحض بذلك بعضا دون بعض ، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جل ثناؤه في هذه الآية فملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم ، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته ، فإن الله دل باستثنائه بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا
على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية ، وعلى أن قوله :
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
معناه : لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا . القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 83 | محمد بن جرير الطبري