وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً
مشيدة في الدنيا ، كل هذا قالته قريش . وكانت قريش ترى البيت من حجارة ما كان صغيرا قصرا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ولا يعطى من بعدك ولا ينقص ذلك ممالك عند الله تعالى ؟ فقال : " اجمعوها لي في الآخرة " فأنزل الله في ذلك :
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً
. القول في تأويل قوله تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ . . .
مَكانٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى ذكره : ما كذب هؤلاء المشركون بالله وأنكروا ما جئتهم به يا محمد من الحق ، من أجل أنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق ، ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد ولا يصدقون بالثواب والعقاب ، تكذيبا منهم بالقيامة وبعث الله الأموات أحياء لحشر القيامة .
وَأَعْتَدْنا
يقول : وأعددنا لمن كذب ببعث الله الأموات أحياء بعد فنائهم لقيام الساعة ، نارا تسعر عليهم وتتقد .
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
يقول : إذا رأت هذه النار التي اعتدناها لهؤلاء المكذبين أشخاصهم من مكان بعيد ، تغيظت عليهم ؛ وذلك أن تغلي وتفور . يقال : فلان تغيظ على فلان ، وذلك إذ غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه وتبين في كلامه . وزفيرا ، وهو صوتها . فإن قال قائل :
وكيف قيل :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً
والتغيظ : لا يسمع ؟ قيل : معنى ذلك : سمعوا لها صوت التغيظ ، من التلهب والتوقد . حدثني محمود بن خداش ، قال : ثنا محمد بن يزيد الواسطي ، قال : ثنا أصبع بن زيد الوراق ، عن خالد بن كثير ، عن فديك ، عن رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يقول علي ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا " قالوا : يا رسول الله ، وهل لها من عين ؟ قال : " ألم تسمعوا إلى قول الله :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر في قوله :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
قال : أخبرني المنصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن عبيد بن عمير ، قال : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ترعد فرائضه ؛ حتى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه ، فيقول : يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي . حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : الرجل ليجر إلي النار ، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض ، فيقول لها الرحمن ما لك ؟
فتقول : إنه ليستجير مني فيقول : أرسلوا عبدي وإن الرجل ليجر إلى النار ، فيقول : يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول : فما كان ظنك ؟ فيقول : أن تسعني رحمتك قال : فيقول أرسلوا عبدي وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف " . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً . . .
ثُبُوراً واحِداً
يقول تعالى ذكره : وإذا ألقي هؤلاء المكذبون بالساعة من النار مكانا ضيقا ، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ؛
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
. واختلف أهل التأويل في معنى الثبور ، فقال بعضهم : هو الويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال :
ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله :
وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
يقول : ويلا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً
يقول : لا تدعوا اليوم ويلا واحدا ، وادعوا ويلا كثيرا . وقال آخرون : الثبور الهلاك .
ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً
الثبور : الهلاك . قال أبو جعفر : والثبور في كلام