في كتبهم ، اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم من يهود .
فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ
يعنون بقوله :
فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ
فهذه الأساطير تقرأ عليه ، من قولهم : أمليت عليك الكتاب وأمللت .
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
يقول : وتملى عليه غدوة وعشيا . وقوله :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بآيات الله من مشركي قومك : ما الأمر كما تقولون من أن هذا القرآن أساطير الأولين وأن محمد صلى الله عليه وسلم افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، بل هو الحق ، أنزله الرب الذي يعلم سر من في السماوات ومن في الأرض ، ولا يخفى عليه شيء ، ومحصي ذلك على خلقه ، ومجازيهم بما عزمت عليه قلوبهم وأضمروه في نفوسهم .
إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
يقول : إنه لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم ، فيتفضل عليهم بعفوه ، يقول : فلأن ذلك من عادته في خلقه ، يمهلكم أيها القائلون ما قلتم من الإفك والفاعلون ما فعلتم من الكفر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قال : ما يسر أهل الأرض وأهل السماء . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ . . .
لَهُ جَنَّةٌ
ذكر أن هاتين الآيتين نزلتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان مشركو قومه رسول الله قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة ، وعرضوا عليه أشياء ، وسألوه الآيات . فكان فيما كلموه به حينئذ ، فيما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، مولى زيد بن ثابت ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس : أن قالوا له : فإن لم تفعل لنا هذا يعني ما سألوه من تسيير جبالهم عنهم ، وإحياء آبائهم ، والمجيء بالله والملائكة قبيلا ، وما ذكره الله في سورة بني إسرائيل فخذ لنفسك ، سل ربك يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله فيجعل لك قصورا وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة ، تغنيك عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعلم فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنا بفاعل " فأنزل الله في قولهم : أن خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لها : أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا ، أو يبعث معه هلكا يصدقه بما يقول ويرد عنه من خاصمه .
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
. فتأويل الكلام : وقال المشركون
ما لِهذَا الرَّسُولِ
يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا ،
يَأْكُلُ الطَّعامَ
كما نأكل ،
وَيَمْشِي
في أسواقنا كما نمشي .
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
يقول :
هلا أنزل إليه
مَلَكٌ
إن كان صادقا من السماء ،
فَيَكُونَ مَعَهُ
منذرا للناس ، مصدقا له على ما يقول ، أو يلقى إليه كنز من فضة أو ذهب فلا يحتاج معه إلى التصرف في طلب المعاش ،
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ
يقول :
أو يكون له بستان
يَأْكُلُ مِنْها
. واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين :
يَأْكُلُ
بالياء ، بمعنى : يأكل منها الرسول . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : " نأكل منها " بالنون ، بمعنى : نأكل من الجنة . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالياء ؛ وذلك للخبر الذي ذكرنا قبل بأن مسألة من سأل من المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه هذه الخلال لنفسه لا لهم ؛ فإذ كانت مسألتهم إياه ذلك كذلك ، فغير جائز أن يقولوا له : سل لنفسك ذلك لنأكل نحن . وبعد ، فإن في قوله تعالى ذكره :
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
دليلا بينا على أنهم إنما قالوا له : اطلب ذلك لنفسك ، لتأكل أنت منه ، لا نحن .
وقوله :
وَقالَ الظَّالِمُونَ
يقول : وقال المشركون للمؤمنين بالله ورسوله :
إِنْ تَتَّبِعُونَ
أيها القوم ، باتباعكم