يوضح عن صحة قراءة من قرأ ذلك :
ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ
بمعنى : ما كان ينبغي لنا أن نتخذهم من دونك أولياء . والثالثة : أن العرب لا تدخل " من " هذه التي تدخل في الجحد إلا في الأسماء ، ولا تدخلها في الأخبار ، لا يقولون : ما رأيت أخاك من رجل ، وإنما يقولون : ما رأيت من أحد ، وما عندي من رجل ؛ وقد دخلت هاهنا في الأولياء وهي في موضع الخبر ، ولو لم تكن فيها " من " ، كان وجها حسنا . وأما البور : فمصدر واحد ، وجمع للبائر ، يقال : أصبحت منازلهم بورا : أي خالية لا شيء فيها ، ومنه قولهم : بارت السوق وبار الطعام : إذا خلا من الطلاب والمشتري فلم يكن له طالب ، فصار كالشئ الهالك ؛ ومنه قول ابن الزبعري :
يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور
وقد قيل : إن بور : مصدر ، كالعدل والزور والقطع ، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث . وإنما أريد بالبور في هذا الموضع أن أعمال هؤلاء الكفار كانت باطلة لأنها لم تكن لله ، كما ذكرنا عن ابن عباس . القول في تأويل قوله تعالى :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عما هو قائل للمشركين عند تبري من كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله منهم : قد كذبوكم أيها الكافرون من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم
بِما تَقُولُونَ
يعني بقولكم ، يقول : كذبوكم بكذبكم .
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال :
ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ
يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعزير والملائكة ، يكذبون المشركين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ
قال : عيسى وعزير والملائكة ، يكذبون المشركين بقولهم . وكان ابن زيد يقول في تأويل ذلك ، ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
قال : كذبوكم بما تقولون بما جاء من عند الله جاءت به الأنبياء والمؤمنون آمنوا به وكذب هؤلاء . فوجه ابن زيد تأويل قوله :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ
إلى : فقد كذبوكم أيها المؤمنون المكذبون بما جاءهم به محمد من عند الله بما تقولون من الحق ، وهو أن يكون خبرا عن الذين كذبوا الكافرين في زعمهم أنهم دعوهم إلى الضلالة وأمروهم بها ، على ما قاله مجاهد من القول الذي ذكرناه عنه ، أشبه وأولى ؛ لأنه في سياق الخبر عنهم . والقراءة في ذلك عندنا :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ
بالتاء ، على التأويل الذي ذكرناه ، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه . وقد حكي عن بعضهم أنه قرأه : " فقد كذبوكم بما يقولون " بالياء ، بمعنى : فقد كذبوكم بقولهم . وقوله جل ثناؤه :
فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
يقول : فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف عذاب الله حين نزل بهم عن أنفسهم ، ولا نصرها من الله حين عذبها وعاقبها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال :
ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
قال : المشركون لا يستطيعونه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
قال :
المشركون . قال ابن جريج : لا يستطيعون صرف العذاب عنهم ، ولا نصر أنفسهم . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
قال : لا يستطيعون يصرفون عنهم العذاب الذي نزل بهم حين كذبوا ، ولا أن ينتصروا . قال : وينادي مناد يوم القيامة حين يجتمع الخلائق : ما لكم لا تناصرون ؟ قال : من عبد من دون الله لا ينصر اليوم من عبده ، وقال العابدون من دون