تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
العرب أصله انصراف الرجل عن الشيء ، يقال منه : ما ثبرك عن هذا الأمر ؟ أي ما صرفك عنه . وهو في هذا الموضع دعاء هؤلاء القوم بالندم على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا والإيمان بما جاءهم به نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى استوجبوا العقوبة منه ، كما يقول القائل : وا ندامتاه ، وا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله . وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول في قوله :
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
أي هلكة ، ويقول : هو مصدر من ثبر الرجل : أي أهلك ، ويستشهد لقيله في ذلك ببيت ابن الزبعري :
إذا جاري الشيطان في سنن الغ * ي ومن مال ميله مثبور
وقوله :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ
أيها المشركون ندما واحدا : أي مرة واحدة ، ولكن ادعوا ذلك كثيرا . وإنما قيل :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً
لأن الثبور مصدر ، والمصادر لا تجمع ، وإنما توصف بامتداد وقتها وكثرتها ، كما يقال : قعد قعودا طويلا ، وأكل أكلا كثيرا . حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد قال : ثنا علي بن زيد ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يكسى حلة من النار إبليس ، فيضعها على حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من خلفه ، وهو يقول : يا ثبوراه وهم ينادون : يا ثبورهم حتى يقفوا على النار ، وهو يقول : يا ثبوراه وهم ينادون : يا ثبورهم فيقال :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ . . .
كانَ عَلى رَبِّكَ
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة : أهذه النار التي وصف لكم ربكم صفتها وصفة أهلها خير ، أم بستان الخلد الذي يدوم نعيمه ولا يبيد ، الذي وعد من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما أمره ونهاه ؟ وقوله :
كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً
يقول : كانت جنة الخلد للمتقين جزاء أعمالهم لله في الدنيا بطاعته وثواب تقواهم إياه ومصيرا لهم ، يقول : ومصيرا للمتقين يصيرون إليها في الآخرة . وقوله :
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ
يقول : لهؤلاء المتقين في جنة الخلد التي وعدهموها الله ، ما يشاءون ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين .
خالِدِينَ
فيها ، يقول : لابثين فيها ماكثين أبدا ، لا يزولون عنها ولا يزول عنهم نعيمها . وقوله :
كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا
وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا :
آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
يقول الله تبارك وتعالى : كان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد التي وصف صفتها في الآخرة ، وعدا وعدهم الله على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس :
كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا
قال : فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا
قال : سألوه إياه في الدنيا ، طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم ، إذ سألوه أن يعطيهم فأعطاهم ، فكان ذلك وعدا مسؤولا ، كما وقت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم فجعلها أقواتا للسائلين ، وقت ذلك على مسألتهم . وقرأ :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ
. وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله :
وَعْداً مَسْؤُلًا
إلى أنه معنى به وعدا واجبا ، وذلك أن المسؤول واجب ، وإن لم يسأل كالدين ، ويقول : ذلك نظير قول العرب : لأعطينك ألفا وعدا مسؤولا ، بمعنى واجب لك فتسأله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . .
أَضْلَلْتُمْ
يقول تعالى ذكره : ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة العابدين الأوثان وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجن . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن