أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
فيقول :
أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ
قال : عيسى وعزير والملائكة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه أبو جعفر القارئ وعبد الله بن كثير :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ
بالياء جميعا ، بمعنى : ويوم يحشرهم ربك ، ويحشر ما يعبدون من دون فيقول . وقرأته عامة قراء الكوفيين : " نحشرهم " بالنون ، " فنقول " . وكذلك قرأه نافع .
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ
يقول : فيقول الله للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ؟ يقول : أنتم أزلتموهم عن طريق الهدى ودعوتموهم إلى الغي والضلالة حتى تاهوا وهلكوا ، أم هم ضلوا السبيل ؟ يقول : أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحق وسلكوا العطب . القول في تأويل قوله تعالى :
قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً
يقول تعالى ذكره : قالت الملائكة الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله وعيسى : تنزيها لك يا ربنا وتبرته مما أضاف إليك هؤلاء المشركون ، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء نواليهم ، أنت ولينا من دونهم ، ولكن متعتهم بالمال يا ربنا في الدنيا والصحة حتى نسوا الذكر وكانوا قوما هلكى قد غلب عليهم الشقاء والخذلان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً
يقول : قوم قد ذهبت أعمالهم وهم في الدنيا ، ولم تكن لهم أعمال صالحة . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَكانُوا قَوْماً بُوراً
يقول : هلكى . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَكانُوا قَوْماً بُوراً
يقول : هلكى . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن الحسن :
وَكانُوا قَوْماً بُوراً
قال : هم الذين لا خير فيهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَكانُوا قَوْماً بُوراً
قال : يقول : ليس من الخير في شيء . البور :
الذي ليس فيه من الخير شيء . واختلفت القراء في قراءة قوله :
ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار :
نَتَّخِذَ
بفتح النون ؛ سوى الحسن ويزيد بن القعقاع ، فإنهما قرآه : " أن نتخذ " بضم النون . فذهب الذين فتحوها إلى المعنى الذي بيناه في تأويله ، من أن الملائكة وعيسى ومن عبد من دون الله من المؤمنين هم الذين تبرءوا أن يكون كان لهم ولي غير الله تعالى ذكره . وأما الذين قرءوا ذلك بضم النون ، فإنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن المعبودين في الدنيا إنما تبرءوا إلى الله أن يكون كان لهم أن يعبدوا من دون الله جل ثناؤه ، كما أخبر الله عن عيسى أنه قال إذا قيل
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بفتح النون ، لعلل ثلاث : إحداهن إجماع الحجة من القراء عليها . والثانية : أن الله جل ثناؤه ذكر نظير هذه القصة في سورة سبأ ، فقال :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ
فأخبر عن الملائكة أنهم إذا سئلوا عن عبادة من عبدهم تبرءوا إلى الله من ولايتهم ، فقالوا لربهم :
أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ
فذلك