القراء في قراءة قوله :
دُرِّيٌّ
فقرأته عامة قراء الحجاز :
دُرِّيٌّ
بضم الدال ، وترك الهمز . وقرأ بعض قراء البصرة والكوفة : " دريء " بكسر الدال وهمزة . وقرأ بعض قراء الكوفة " دريء " بضم الدال وهمزة . وكأن الذين ضموا داله وتركوا الهمرة ، وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم ، من أن الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر ، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها . ووجه الذين قرءوا ذلك بكسر داله وهمزه ، إلى أنه فعيل من درئ الكوكب : أي دفع ورجم به الشيطان ، من قوله :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ
أي يدفع ، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها الدراري بغير همز . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : هي الدرارئ بالهمز ، من يدر أن . وأما الذين قرءوه بضم داله وهمزه ، فإن كانوا أرادوا به دروء مثل سبوح وقدوس من درأت ، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه ، فصرفوا بعضها إلى الكسرة ، فقالوا درئ ، كما قيل :
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
. وهو فعول ، من عتوت عتوا ، ثم حولت بعض ضماتها إلى الكسر ، فقيل : عتيا . فهو مذهب ، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجها ، وذلك أنه لا يعرف في كلام العرب فعيل . وقد كان بعض أهل العربية يقول : هو لحن .
والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ
دُرِّيٌّ
بضم داله وترك همزه ، على النسبة إلى الدر ، لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا . وقد ذكرنا أقوالهم في ذلك قبل ، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره . فتأويل الكلام : الزجاجة : وهي صدر المؤمن ،
كَأَنَّها
يعني كأن الزجاجة ، وذلك مثل لصدر المؤمن ،
كَوْكَبٌ
يقول في صفائها وضيائها وحسنها . وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك في أسباب الإيمان بالله وبعده من دنس المعاصي ، كالكوكب الذي يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن . واختلفوا أيضا في قراءة قوله : " توقد من شجرة مباركة " فقرأ ذلك بعض المكيين والمدنيين وبعض البصريين : " توقد من شجرة " بالتاء ، وفتحها ، وتشديد القاف ، وفتح الدال .
وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة . وقرأه بعض عامة قراء المدنيين
يُوقَدُ
بالياء ، وتخفيف القاف ، ورفع الدال ؛ بمعنى : يوقد المصباح موقده من شجرة ، ثم لم يسم فاعله . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " توقد " بضم التاء وتخفيف القاف ورفع الدال ، بمعنى : يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة لما لم يسم فاعله ، فقيل : توقد . وقرأه بعض أهل مكة : " توقد " بفتح التاء ، وتشديد القاف ، وضم الدال ؛ بمعنى : توقد الزجاجة من شجرة ، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفاء بالباقية من الذاهبة . وهذه القراءات متقاربات المعاني وإن اختلفت الألفاظ بها ؛ وذلك أن الزجاجة إذا وصفت بالتوقد أو بأنها توقد ، فمعلوم معنى ذلك ، فإن المراد به توقد فيها المصباح أو يوقد فيها المصباح ، ولكن وجهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها وفهم السامعين معناه والمراد منه . فإذا كان ذلك كذلك فبأي القراءات قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءات إلي أن أقرأ بها في ذلك : " توقد " بفتح التاء ، وتشديد القاف ، وفتح الدال ، بمعنى وصف المصباح بالتوقد ؛ لأن التوقد والاتقاد لا شك أنهما من صفته ، دون الزجاجة . فمعنى الكلام إذن : كمشكاة فيها مصباح ، المصباح من دهن شجرة مباركة ، زيتونة ، لا شرقية ولا غربية . وقد ذكرنا بعض ما روي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى ، ونذكر باقي ما حضرنا مما لم نذكره قبل . فقال بعضهم : إنما قيل : لهذه الشجرة لا شرقية ولا غربية أي ليست شرقية