تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
قال في المساجد . حدثنا الحسن قال : أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : أدركت أصحاب رسول الله وهم يقولون : المساجد بيوت الله ، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن سالم بن عمر ، في قوله :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
قال : هي المساجد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
قال : المساجد . وقال آخرون : عنى بذلك البيوت كلها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، ونصر بن عبد الرحمن الأودي ، قالا : حدثنا حكام بن سلم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عكرمة :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
قال : هي البيوت كلها . إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك ، لدلالة قوله :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
على أنها بيوت بنيت للصلاة ؛ فلذلك قلنا هي المساجد . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
فقال : بعضهم معناه : أذن الله أن تبنى . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عصام ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
قال : تبنى . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله . وقال آخرون : معناه : أذن الله أن تعظم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله :
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
يقول : أن تعظم لذكره . وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد ، وهو أن معناه : أذن الله أن ترفع بناء ، كما قال : جل ثناؤه
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
. وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية . وقوله :
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
يقول : وأذن لعباده أن يذكروا اسمه فيها . وقد قيل : عني به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : ثم قال :
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
يقول : يتلى فيها كتابه . وهذا القول يتلى فيها كتابه قريب المعنى مما قلناه في ذلك ، لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله . غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه ، فلذلك اخترنا القول به . وقوله :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
يُسَبِّحُ لَهُ
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار :
يُسَبِّحُ لَهُ
بضم الياء وكسر الباء ، بمعنى يصلي له فيها رجال ، وبجعل " يسبح " فعلا لي " الرجال " وخبرا عنهم ، وترفع به " الرجال " . سوى عاصم وابن عامر ، فإنهما قرءا ذلك : " يسبح له " بضم الياء وفتح الباء ، على ما لم يسم فاعله ، ثم يرفعان " الرجال " بخبر ثان مضمر ، كأنهما أرادا : يسبح الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع ، فسبح له رجال ؛ فرفعا " الرجال " بفعل مضمر . والقراءة التي هي أولاهما بالصواب : قراءة من كسر الباء ، وجعله خبرا لي " الرجال " وفعلا لهم . وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت لا يتم إلا بقول :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها
فأما والخبر عنها دون ذلك تام ، فلا وجه لتوجيه قوله :
يُسَبِّحُ لَهُ
إلى غيره ، أي غير الخبر عن الرجال . وعني بقوله :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
يصلي له في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال : أهل التأويل . ذكر من