تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
بأهلها ، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح فتميد الناس على ظهرها ؛ فتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار ؛ فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها ، فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا ، وهو الذي يقول الله :
يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
فبينما هم على ذلك ، إذا تصدعت الأرض من قطر إلى قطر ، فرأوا أمرا عظيما ، وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به ، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ، ثم خسف شمسها وخسف قمرها وانتثرت نجومها ، ثم كشطت عنهم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك فقال أبو هريرة : فمن استثنى الله حين يقول :
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
؟ قال : " أولئك الشهداء ، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء ، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم . وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه ، وهو الذي يقول :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
إلى قوله :
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبي ومن ذكرنا ذلك عنه . . . قبل الساعة قول ، لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله . والصواب من القول في ذلك ما صح به الخبر عنه . ذكر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا : حدثني أحمد بن المقدام ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي يحدث عن قتادة ، عن صاحب له حدثه ، عن عمران بن حصين ، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه ، إذ نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية : و
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
قال : فحثوا المطي ، حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هل تدرون أي يوم ذلك ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " ذلك يوم ينادى آدم ، يناديه ربه : ابعث بعث النار ، من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين إلى النار " قال : فأبلس القوم ، فما وضح منهم ضاحك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا اعملوا وأبشروا ، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه ، فمن هلك من بني آدم ، ومن هلك من بني إبليس ويأجوج ومأجوج " . قال : " أبشروا ، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير ، أو كالرقمة في جناح الدابة " . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحدثنا ابن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثنا أبي ؛ وحدثنا ابن أبي عدي ، عن هشام جميعا ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا محمد بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن العلاء بن زياد عن عمران ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحوه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسرة ، ومعه أصحابه ، بعد ما شارف المدينة ، قرأ :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها
الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدرون أي يوم ذاكم " ؟ قيل : الله ورسوله أعلم . فذكر نحوه ، إلا أنه زاد : " وإنه لم يكن رسولان إلا كان بينهما فترة من الجاهلية ، فهم أهل النار وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم ، وهم
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86 | محمد بن جرير الطبري