تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨

عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت . ويعني بقوله : تَذْهَلُ تنسى وتترك من شدة كربها ، يقال : قعنت عن كذا أذهل عنه ذهولا وذهلت أيضا ، وهي قليلة ، والفصيح : الفتح في الهاء ، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحة في اللغتين ، لم يسمع غير ذلك ؛ ومنه قول الشاعر :

صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل

فأما إذا أريد أن الهول أنساه وسلاه ، قلت : أذهله هذا الأمر عن كذا يذهله إذهالا . وفي إثبات الهاء في قوله : كُلُّ مُرْضِعَةٍ اختلاف بين أهل العربية وكان بعض نحويي الكوفيين يقول : إذا أثبتت الهاء في المرضعة فإنما يراد أم الصبي المرضع ، وإذا أسقطت فإنه يراد المرأة التي معها صبي ترضعه ؛ لأنه أريد الفعل بها . قالوا : ولو أريد بها الصفة فيما يرى لقال مرضع . قال : وكذلك كل مفعل أو فاعل يكون للأنثى ولا يكون للذكر ، فهو بغير هاء ، نحو : مقرب ، وموقر ، ومشدن ، وحامل ، وحائض . قال أبو جعفر . وهذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك ؛ لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل ومفعل إذا وصفوا المؤنث به ولو لم يكن للمذكر فيه حظ ، فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله ، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل . منه قول الأعشى فيما هو واقع ولم يكن وقع قبل :

أيا جارتا بيني فإنك طالقه * كذاك أمور الناس غاد وطارقه
وأما فيما هو صفة ، نحو قول امرئ القيس :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول

وربما أثبتوا الهاء في الحالتين وربما اسقطوهما فيهما ؛ غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت . فتأويل الكلام إذن : يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة ، تنسى وتترك كل والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ قال : تترك ولدها للكرب الذي نزل بها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ قال : ذهلت عن أولادها بغير فطام . وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها قال : ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام . وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها يقول : وتسقط كل حامل من شدة كرب ذلك حملها . وقوله : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى قرأت قراء الأمصار وَتَرَى النَّاسَ سُكارى على وجه الخطاب للواحد ، كأنه قال : وترى يا محمد الناس سكارى وما هم بسكارى . وقد روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير : " وترى الناس " بضم التاء ونصب " الناس " ، من قول القائل : أريت ترى ، التي تطلب الاسم والفعل ، كظن وأخواتها . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء واختلف القراء في قراءة قوله : سُكارى فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى . وقرأته عامة قراء أهل الكوفة : " وترى الناس سكرى وما هم بسكرى " . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . ومعنى الكلام : وترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكرب وشدته سكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن :