عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت . ويعني بقوله :
تَذْهَلُ
تنسى وتترك من شدة كربها ، يقال :
قعنت عن كذا أذهل عنه ذهولا وذهلت أيضا ، وهي قليلة ، والفصيح : الفتح في الهاء ، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحة في اللغتين ، لم يسمع غير ذلك ؛ ومنه قول الشاعر :
صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل
فأما إذا أريد أن الهول أنساه وسلاه ، قلت : أذهله هذا الأمر عن كذا يذهله إذهالا . وفي إثبات الهاء في قوله :
كُلُّ مُرْضِعَةٍ
اختلاف بين أهل العربية وكان بعض نحويي الكوفيين يقول : إذا أثبتت الهاء في المرضعة فإنما يراد أم الصبي المرضع ، وإذا أسقطت فإنه يراد المرأة التي معها صبي ترضعه ؛ لأنه أريد الفعل بها . قالوا : ولو أريد بها الصفة فيما يرى لقال مرضع . قال : وكذلك كل مفعل أو فاعل يكون للأنثى ولا يكون للذكر ، فهو بغير هاء ، نحو : مقرب ، وموقر ، ومشدن ، وحامل ، وحائض . قال أبو جعفر . وهذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك ؛ لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل ومفعل إذا وصفوا المؤنث به ولو لم يكن للمذكر فيه حظ ، فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله ، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل .
منه قول الأعشى فيما هو واقع ولم يكن وقع قبل :
أيا جارتا بيني فإنك طالقه * كذاك أمور الناس غاد وطارقه
وأما فيما هو صفة ، نحو قول امرئ القيس :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول
وربما أثبتوا الهاء في الحالتين وربما اسقطوهما فيهما ؛ غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت .
فتأويل الكلام إذن : يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة ، تنسى وتترك كل والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
قال : تترك ولدها للكرب الذي نزل بها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن :
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
قال : ذهلت عن أولادها بغير فطام .
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
قال : ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام .
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
يقول : وتسقط كل حامل من شدة كرب ذلك حملها . وقوله :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
قرأت قراء الأمصار
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
على وجه الخطاب للواحد ، كأنه قال : وترى يا محمد الناس سكارى وما هم بسكارى . وقد روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير : " وترى الناس " بضم التاء ونصب " الناس " ، من قول القائل : أريت ترى ، التي تطلب الاسم والفعل ، كظن وأخواتها . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء واختلف القراء في قراءة قوله :
سُكارى
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة :
سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
. وقرأته عامة قراء أهل الكوفة : " وترى الناس سكرى وما هم بسكرى " . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . ومعنى الكلام : وترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكرب وشدته سكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن :