تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
من الخوف ،
وَما هُمْ بِسُكارى
من الشراب . حدثنا القاسم قال ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
وَما هُمْ بِسُكارى
قال : ما هم بسكارى من الشراب ؛
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
قال : ما شربوا خمرا . وقوله
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
يقول تعالى ذكره : ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيم هوله ، مع علمهم بشدة عذاب الله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
ذكر أن هذه الآية : نزلت في النضر بن الحارث . حدثنا القاسم ، فال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
قال : النضر بن الحارث . ويعني بقوله :
مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
من يخاصم في الله ، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من قد بلى وصار ترابا ، بغير علم يعلمه ، بل بجهل منه بما يقول .
وَيَتَّبِعُ
في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم
كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
. القول في تأويل قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ
يقول تعالى ذكره : قضي على الشيطان ؛ فمعنى : " كتب " هاهنا قضي ، والهاء التي في قوله " عليه " من ذكر الشيطان . كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر عن قتادة :
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ
قال : كتب على الشيطان ، أنه من اتبع الشيطان من خلق الله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ
قال : الشيطان اتبعه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ؛
أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ
، قال : اتبعه . وقوله :
فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ
يقول : فإن الشيطان يضله ، يعني : يضل من تولاه . والهاء التي في " يضله " عائدة على " من " التي في قوله :
مَنْ تَوَلَّاهُ
وتأويل الكلام : قضى على الشيطان أنه يضل أتباعه ولا يهديهم إلى الحق . وقوله :
وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
يقول : ويسوق من اتبعه إلى عذاب جهنم الموقدة ؛ وسياقه إياه إليه بدعائه إلى طاعته ومعصية الرحمن ، فذلك هدايته من تبعه إلى عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ . . .
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ
وهذا احتجاج من الله على الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل في الله بغير علم ، اتباعا منه للشيطان المريد وتنبيه له على موضع خطأ قيله وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه . قال : يا أيها الناس إن كنتم في شك من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظاما منكم لذلك ، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم صلى الله عليه وسلم من تراب ثم إنشائناكم من نطفة آدم ثم تصريفناكم أحوالا حالا بعد حال ، من نطفة إلى علقة ، ثم من علقة إلى مضغة ، لكم معتبرا ومتعظا تعتبرون به ، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
فقال بعضهم : هي من صفة النطفة . قال : ومعنى ذلك : فإنا خلقناكم من تراب ، ثم من نطفة مخلقة وغير مخلقة قالوا : فأما المخلقة فما كان خلقا سونا وأما غير مخلقة فما دفعته الأرحام
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 89 | محمد بن جرير الطبري