تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
برجلين : أخوك وأبوك ، ولو كانت مخفوضة كان جائزا ؛ وكذلك لو كان نصبا للعائد من ذكرها في وعدها وأنت تنوي بها الاتصال بما قبلها . يقول تعالى ذكره : فهؤلاء هم أشرار الخلق لا محمد وأصحابه . وقوله :
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
يقول : وبئس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
.
. . لَنْ يَخْلُقُوا . . .
ما قَدَرُوا اللَّهَ
يقول تعالى ذكره : يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر . ومعنى " ضرب " في هذا الموضع : " جعل " من قولهم : ضرب السلطان على الناس البعث ، بمعنى : جعل عليهم . وضرب الجزية على النصارى ، بمعنى جعل ذلك عليهم ؛ والمثل : الشبه ، يقول جل ثناؤه : جعل لي شبه أيها الناس ، يعني بالشبه والمثل : الآلهة ، يقول : جعل لي المشركون والأصنام شبها ، فعبدوها معي وأشركوها في عبادتي .
فَاسْتَمِعُوا لَهُ
يقول : فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته .
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
يقول : إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته ، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه ، ولو اجتمع لخلقه جميعها . والذباب واحد ، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذبان ، نظير غراب يجمع في القلة أغربة وفي الكثرة غربان . وقوله :
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً
يقول : وإن يسلب الآلهة والأوثان الذباب شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء
لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
: يقول : لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه . واختلف في معنى قوله :
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
فقال بعضهم : عني بالطالب : الآلهة ، وبالمطلوب : الذباب . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال : ابن جريج ، قال : ابن عباس ، في قوله :
ضَعُفَ الطَّالِبُ
قال : آلهتهم .
وَالْمَطْلُوبُ
الذباب . وكان بعضهم يقول : معنى ذلك :
ضَعُفَ الطَّالِبُ
من بني آدم إلى الصنم حاجته ،
وَالْمَطْلُوبُ
إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله ، يقول : ضعف عن ذلك وعجز . والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه : وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه ، وهو الطيب وما أشبهه ؛ والمطلوب : الذباب . وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك ، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب ؛ فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا عما هو عنه منقطع . وإنما أخبر جل ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها ، تقريعا منه بذلك عبدتها من مشركي قريش ، يقول تعالى ذكره : كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدوة له على خلق ذباب ، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر ، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالك جميع ذلك ، والمحيي من أردت والمميت ما أردت ومن أردت . إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل . وقوله :
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
يقول : ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره ، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته ؛ من قولهم : ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قصر بحقه وهم يريدون تعظيمه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً
إلى آخر الآية ، قال : هذا مثل ضربه الله لآلهتهم . وقرأ :
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
يقول : إن الله لقوي على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره .
عَزِيزٌ
يقول : منيع في ملكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من ملكه شيئا ، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب ولا على