من خلقه وهم المحتاجون إليه ، الحميد عند عباده في إفضاله عليهم وأياديه عندهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ
يقول تعالى ذكره : ألم تر أن الله سخر لكم أيها الناس ما في الأرض من الدواب والبهائم ، فذلك كله لكم تصرفونه فيما أردتم من حوائجكم .
وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
يقول : وسخر لكم السفن تجري في البحر بأمره ، يعني بقدرته ، وتذليله إياها لكم كذلك . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَالْفُلْكَ تَجْرِي
فقرأته عامة قراء الأمصار :
وَالْفُلْكَ
نصبا ، بمعنى سخر لكم ما في الأرض ، والفلك عطفا على " ما " ، وعلى تكرير " أن " وأن الفلك تجري . وروي عن الأعرج أنه قرا ذلك رفعا على الابتداء . والنصب هو القراءة عندنا في ذلك لإجماع الحجة من القراء عليه .
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ
يقول : ويمسك السماء بقدرته كي لا تقع على الأرض إلا بأذنه .
ومعنى قوله :
أَنْ تَقَعَ
أن لا تقع .
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
بمعنى : أنه بهم لذو رأفة ورحمة ؛ فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وسخر لكم ما وصف في هذه الآية تفضلا منه عليكم بذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ . . .
لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ
يقول تعالى ذكره : والله الذي أنعم عليكم هذه النعم ، هو الذي جعل لكم أجساما أحياء بحياة أحدثها فيكم ، ولم تكونوا شيئا ، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة .
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ
إن يقول : إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حسن خلقه إياه ، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبر والبحر ، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد ، وتركه إفراده بالعبادة وإخلاص التوحيد له . وقوله :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً
يقول : لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك ، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه وقضاء فرائضي وعملا يلزمونه . وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر ؛ يقال : إن لفلان منسكا يعتاده :
يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر . وإنما سميت مناسك الحج بذلك ، لتردد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة . وفيه لغتان : " منسك " بكسر السين وفتح الميم ، وذلك من لغة أهل الحجاز ، و " منسك " بفتح الميم والسين جميعا ، وذلك من لغة أسد . وقد قرئ باللغتين جميعا . وقد اختلف أهل التأويل في المعني بقوله :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً
الحج أي المناسك عني به ؟ فقال بعضهم : عني به : عيدهم الذي يعتادونه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ
الحج يقول : عيدا . وقال آخرون : عني به ذبح يذبحونه ودم يهريقونه الحج . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، قال :
ثنا ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ
الحج قال : إراقة الدم بمكة . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
هُمْ ناسِكُوهُ
الحج قال : إهراق دماء الهدي .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
مَنْسَكاً
الحج قال : ذبحا وحجا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى ؛ لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام ، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام . غير أن تلك لم تكن مناسك ،