فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا ؛ ولذلك قلنا : عني بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا . وقوله :
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
يقول تعالى ذكره : فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم : أتقولون ما قتلتم ، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله ؟ فأنك أولى بالحق منهم ، لأنك محق وهم مبطلون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
قال : الذبح . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
فلا تتحام لحمك . وقوله :
وَادْعُ إِلى رَبِّكَ
يقول تعالى ذكره : وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئتهم به من عند الله ، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرءوا منها ، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن محجة الحق والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك ، وهم الضلال على قصد السبيل ، لمخالفتهم امر الله في ذبائحهم ومطاعمهم وعبادتهم الآلهة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ . . .
فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن جادلك يا محمد هؤلاء المشركون بالله في نسكك ، فقل : الله أعلم بما تعملون ونعمل . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَإِنْ جادَلُوكَ
قال : قول أهل الشرك : أما ما ذبح الله بيمينه .
فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . وقوله :
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
يقول تعالى ذكره : والله يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه من أمر دينكم تختلفون ، فتعلمون حينئذ أيها المشركون المحق من المبطل . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره : ألم تعلم يا محمد أن الله يعلم كل ما في السماوات السبع والأرضين السبع ، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة ، على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا ، فمجازي المحسن منهم بإحسانه والمسئ بإساءته .
إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ
يقول تعالى ذكره : إن علمه بذلك في كتاب ، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جل ثناؤه قبل أن يخلق خلقه ما هو كائن إلى يوم القيامة . كما : حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثنا ميسر بن إسماعيل الحلبي ، عن الأوزاعي ، عن عبدة بن أبي لبابة ، قال : علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون ، ثم كتبه ، ثم قال لنبيه :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
. حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني ميسر ، عن أرطأة بن المنذر ، قال : سمعت ضمرة بن حبيب يقول : إن الله كان على عرشه على الماء ، وخلق السماوات والأرض بالحق ، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه ، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام ، قبل أن يبدأ شيئا من الخلق . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن سيار ، عن ابن عباس ، أنه سأل كعب الأحبار عن أم الكتاب ، فقال : علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون ، فقال لعلمه : كن كتابا . وكان ابن جريج يقول في قوله :
إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ
ما : حدثنا به القاسم ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ
قال : قوله :
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
وإنما اخترنا القول الذي قلنا في ذلك ، لأن قوله :
إِنَّ ذلِكَ
إلى قوله :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أقرب منه إلى قوله :
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
فكان إلحاق ذلك بما هو أقرب إليه أولى منه بما بعد . وقوله
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
اختلف في ذلك ،