تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
الامتناع من الذباب إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة . القول في تأويل قوله تعالى :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
يقول تعالى ذكره : الله يختار من الملائكة رسلا كجبريل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه ومن شاء من عباده ومن الناس ، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم . ومعنى الكلام : الله يصطفي من الملائكة رسلا ، ومن الناس أيضا رسلا . وقد قيل : إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون : أنزل عليه الذكر من بيننا ، فقال الله لهم : ذلك إلي وبيدي دون خلقي ، اختار من شئت منهم للرسالة . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
يقول : إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند ربه ، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه . القول في تأويل قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
يقول تعالى ذكره : الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله ، من قبل أن يخلقهم وما خلفهم ، يقول : ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
يقول : إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا ، وإليه تعود كما كان منه البدء . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله
ارْكَعُوا
لله في صلاتكم
وَاسْجُدُوا
له فيها .
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
يقول : وذلوا لربكم ، واخضعوا له بالطاعة ،
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
الذي أمركم ربكم بفعله ؛
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يقول : لتفلحوا بذلك ، فتدركوا به طلباتكم عند ربكم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ . . .
فِي الدِّينِ . . .
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
فقال بعضهم : معناه : وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد ، عن عبد الله بن عباس ، في قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
كما جاهدتم أول مرة فقال عمر : من أمر بالجهاد ؟ قال : قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس . فقال عمر : صدقت . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تخافوا في الله لومة لائم . قالوا : وذلك هو حق الجهاد . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، في قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
لا تخافوا في الله لومة لائم . وقال آخرون : معنى ذلك : اعملوا بالحق حق عمله . وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض من في روايته نظر . والصواب من القول في ذلك : قول من قال : عنى به الجهاد في سبيل الله ؛ لأن المعروف من الجهاد ذلك ، وهو الأغلب على قول القائل : جاهدت في الله . وحق الجهاد : هو استفراغ الطاقة فيه . وقوله :
هُوَ اجْتَباكُمْ
يقول : هو اختاركم لدينه ، واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله وقال ابن زيد في ذلك ، ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
هُوَ اجْتَباكُمْ
قال : هو هداكم . وقوله :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
يقول تعالى ذكره : وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبدكم به من ضيق ، لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه ؛ بل وسع عليكم ، فجعل التوبة من بعض مخرجا ، والكفارة من بعض ، والقصاص من بعض ، فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن زيد ، عن ابن شهاب ، قال : سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
فقال علي بن عبد الله : الحرج : الضيق ، فجعل الله الكفارات مخرجا من ذلك ، سمعت ابن عباس يقول ذلك .