القتال يومئذ في الأشهر الحرم ، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر ، فأبى المشركون ذلك ، وقاتلوهم فبغوا عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم ، فأنزل الله هذه الآية :
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ
بأن بدئ بالقتال وهو له كاره ،
لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
. وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
يقول تعالى ذكره : إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحق ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
ذلِكَ
هذا النصر الذي أنصره على من بغى عليه على الباغي ، لأني القادر على ما أشاء . فمن قدرته أن الله
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
يقول : يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار ، فما نقص من هذا زاد في هذا .
وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل ، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا ، وبالقدرة التي يفعل ذلك ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم .
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
يقول : وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول ؛ لا يخفى عليه منه شيء ، بصير بما يعملون ، لا ينيب عنه منه شيء ، كل ذلك معه بمرأى ومسمع ، وهو الحافظ لكل ذلك ، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ
يعني تعالى ذكره بقوله
ذلِكَ
هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار وإيلاجي النهار في الليل ؛ لأني أنا الحق الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ند ، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء ، بل هو المصنوع يقول لهم تعالى ذكره : أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع وبيده الضر وهو القادر على كل شيء وكل شيء دونه ، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته . وقوله :
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
يعني بقوله :
الْعَلِيُّ
ذو العلو على كل شيء ، هو فوق كل شيء وكل شيء دونه .
الْكَبِيرُ
يعني العظيم ، الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه . وكان ابن جريج يقول في قوله :
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ
ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، في قوله :
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ
قال : الشيطان . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
فقرأته عامة قراء العراق والحجاز : " تدعون " بالتاء على وجه الخطاب ؛ وقرأته عامة قراء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر ، والياء أعجب القراءتين إلي ، لأن ابتداء الخبر على وجه الخطاب . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
يقول تعالى ذكره :
أَ لَمْ تَرَ
يا محمد
أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
يعني مطرا ،
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
بما ينبت فيها من النبات .
إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ
باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه .
خَبِيرٌ
بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وبه . قال :
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ
فرفع ، وقد تقدمه قوله :
أَ لَمْ تَرَ
وإنما قيل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الخبر ، كأنه قيل : اعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض ؛ ونظير ذلك قول الشاعر :
ألم تسأل الربع القديم فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
لأن معناه : قد سألته فنطق . القول في تأويل قوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره : له ملك ما في السماوات وما في الأرض من شيء هم عبيده ومماليكه وخلقه ، لا شريك له في ذلك ولا في شيء منه ، وأن الله هو الغني عن كل ما في السماوات وما في الأرض