تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ ، وذلك ما لا معنى له . فإذ كان ذلك كذلك ، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب ، وهو ما ذكرنا في معناه . فتأويل الكلام إذن : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم ، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له فلا ينظروا فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء ، لكنهم يقتلون قبل المساء . القول في تأويل قوله تعالى :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ . . .
عَذابٌ مُهِينٌ
يقول تعالى ذكره : السلطان والملك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع ، وقد كان في الدنيا ملوك يدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه .
يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
يقول : يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين .
فَالَّذِينَ آمَنُوا
بهذا القرآن ، وبمن أنزله ، ومن جاء به ، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
يومئذ .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
بالله ورسوله ،
وَكَذَّبُوا
بآيات كتابه وتنزيله ، وقالوا : ليس ذلك من عند الله ، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون ؛
فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
يقول : فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين ، يعني عذاب مذل في جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً
يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك ،
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ
يوم القيامة في جناته
رِزْقاً حَسَناً
يعني بالحسن : الكريم ؛ وإنما يعني بالرزق الحسن : الثواب الجزيل .
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
يقول : وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم . وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله ، فقال بعضهم : سواء المقتول منهم والميت ، وقال آخرون : المقتول أفضل . فأنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده . وقد : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن شريح ، عن سلامان بن عامر قال : كان فضالة برودس أميرا على الأرباع ، فخرج بجنازتي رجلين ، أحدهما قتيل والآخر متوفي ؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته ، فقال : أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفي ؟ فقالوا : هذا القتيل في سبيل الله . فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرءوا قول الله تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا
إلى قوله :
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
. القول في تأويل قوله تعالى :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
يقول تعالى ذكره : ليدخلن الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم
مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
وذلك المدخل هو الجنة .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ
بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا .
حَلِيمٌ
عن عصاة خلقه ، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
يعني تعالى ذكره بقوله :
ذلِكَ
لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ، ثم قتلوا أو ماتوا ، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ
قال : هم المشركون بغوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوعده الله أن ينصره ، وقالا في القصاص أيضا . وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم ، وكان المسلمون يكرهون