تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
إِلَّا إِذا تَمَنَّى
يعني بالتمني : التلاوة والقراءة . وهذا القول يعني بالتمني : التلاوة والقراءة أشبه بتأويل الكلام ، بدلالة قوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
على ذلك ؛ لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها ، لا شك أنها آيات تنزيله ، فمعلوم أن الذي ألقي فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه ذلك منه . فتأويل الكلام إذن : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله ، وقرأ ، أو حدث وتكلم ، ألقي الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو في حديثه الذي حدث وتكلم .
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
يقول تعالى : فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله . كما : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
فيبطل الله ما ألقي الشيطان . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
نسخ جبريل بأمر الله ما ألقي الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحكم الله آياته . وقوله :
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
يقول : ثم يخلص الله آيات كتابه من الباطل الذي ألقي الشيطان على لسان نبيه .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بما يحدث في خلقه من حدث ، لا يخفى عليه منه شيء .
حَكِيمٌ
في تدبيره إياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحب . القول في تأويل قوله تعالى :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
يقول تعالى ذكره : فينسخ الله ما يلقي الشيطان ، ثم يحكم الله آياته ، كي يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : " تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى " .
فِتْنَةً
يقول : اختبارا يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق ؛ وذلك الشك في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما يخبرهم به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين ، فألقى الشيطان في أمنيته ، فقال : " إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجى وإنها للغرانيق العلى " . فنسخ الله ذلك ، وأحكم الله آياته :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
حتى بلغ :
مِنْ سُلْطانٍ
قال قتادة : لما ألقي الشيطان ما ألقى ، قال المشركون : قد ذكر الله آلهتهم بخير ففرحوا بذلك ، فذكر قوله :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
. حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، بنحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
. . . يقول : وللذين قست قلوبهم عن الإيمان بالله ، فلا تلين ولا ترعوي ، وهم المشركون بالله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
قال : المشركون . وقوله :
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى ذكره : وإن مشركي قومك يا محمد لفي خلاف الله في أمره ، بعيد من الحق . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
يقول تعالى ذكره : وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقي الشيطان فيه ، أنه الحق من عند ربك يا محمد .
فَيُؤْمِنُوا بِهِ
يقول : فيصدقوا به .
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
يقول : فتخضع للقرآن قلوبهم ، وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه .
وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد والحق الواضح ، بنسخ ما ألقى