المنكر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ . . .
كانَ نَكِيرِ
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله ، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السب والتكذيب : وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتهم به من الحق والبرهان ، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله ، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم ، فلا يصدنك ذلك ، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك ، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال .
فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
يعني مشركي قريش ؛ قوم نوح ، وقوم عاد وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط . وأصحاب مدين ، وهم قوم شعيب . يقول : كذب كل هؤلاء رسلهم . فقيل :
وَكُذِّبَ مُوسى
ولم يقل : " وقوم موسى " ، لأن قوم موسى بنو إسرائيل ، وكانت قد استجابت له ولم تكذبه ، وإنما كذبه فرعون وقومه من القبط . وقد قيل : إنما قطع ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة . وقوله :
فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
يقول : فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم ، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب .
ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ
يقول : ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء .
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم ، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا ؟ يقول :
فكذلك فعلي بمكذبيك من قريش ، وإن أمليت لهم إلى آجالهم ، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم ، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ . . .
وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
يقول تعالى ذكره : وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون ؛ يقول : وهم يعبدون غير من ينبغي أن يعبد ، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه . وقوله :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
يقول : فباد أهلها وجلت ، وخوت من سكانها ، فخربت وتداعت ، وتساقطت على عروشها ؛ يعني على بنائها وسقوفها . كما : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
قال : خواؤها : خرابها ، وعروشها : سقوفها . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
خاوِيَةٌ
قال : خربة ليس فيها أحد . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال :
أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله . وقوله :
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ
يقول تعالى : فكأين من قرية أهلكناها ، ومن بئر عطلناها ، بإفناء أهلها وهلاك وارديها ، فاندفنت وتعطلت ، فلا واردة لها ولا شاربة منها . ومن قصر مشيد رفيع بالصخور والجص ، قد خلا من سكانه ، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم ، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم . والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على " القرية " . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : هما معطوفان على " العروش " بالعطف عليها خفضا ، وإن لم يحسن فيهما ، على أن العروش أعالي البيوت والبئر في الأرض ، وكذلك القصر ؛ لأن القرية لم تخو على القصر ، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال :
وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ
فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك :
فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ، فهي خاوية على عروشها ، ولها بئر معطلة وقصر مشيد ، ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها ، أتبعها في الإعراب " العروش " والمعنى ما وصفت وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس :
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ