تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر ، وقد نصرهم فأعزهم ورفعهم وأهلك عدوهم وأذلهم بأيديهم . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ . . .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ . . .
اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً
يقول تعالى ذكره : أذن للذين يقاتلون
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
ف " الذين " الثانية رد على " الذين " الأولى . وعنى بالمخرجين من دورهم : المؤمنين الذين أخرجهم كفار قريش من مكة . وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم على الإيمان بالله ورسوله ، وسبهم بعضهم بألسنتهم ووعيدهم إياهم ، حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم . وكان فعلهم ذلك بهم بغير حق ؛ لأنهم كانوا على باطل والمؤمنون على الحق ، فلذلك قال جل ثناؤه :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
. وقوله :
إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
يقول تعالى ذكره : لم يخرجوا من ديارهم إلا بقولهم : ربنا الله وحده لا شريك له ف " أن " في موضع خفض ردا على الباء في قوله :
بِغَيْرِ حَقٍّ
وقد يجوز أن تكون في موضع نصب على وجه الاستثناء . وقوله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
دفع المشركين بالمسلمين . وقال آخرون : معنى ذلك : ولولا القتال والجهاد في سبيل الله . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
قال لولا القتال والجهاد . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين . ذكر من قال ذلك : حدثنا إبراهيم بن سعيد ، قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمرو ، عن أبي روق ، عن ثابت بن عوسجة الحضرمي ، قال : حدثني سبعة وعشرون من أصحاب علي وعبد الله منهم لاحق بن الأقمر ، والعيزار بن جرول ، وعطية القرظي ، أن عليا رضي الله عنه قال : إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين
لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ
. وقال آخرون : بل معنى ذلك : لولا أن الله يدفع بمن أوجب قبول شهادته في الحقوق تكون لبعض الناس على بعض عمن لا يجوز قبول شهادته وغيره ، فأحيا بذلك مال هذا ويوقي بسبب هذا إراقة دم هذا ، وتركوا المظالم من أجله ، لتظالم الناس فهدمت صوامع . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
يقول : دفع بعضهم بعضا في الشهادة ، وفي الحق ، وفيما يكون من قبل هذا . يقول : لولاهم لأهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض ، لهدم ما ذكر ، من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض ، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك ؛ ومنه كفه ببعضهم التظالم ، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم ؛ ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق ، ونحو ذلك . وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض ، لولا ذلك لتظالموا ، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمى جل ثناؤه . ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض ، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له ، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بينته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا . وقوله :
لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ
اختلف أهل التأويل في المعني بالصوامع ، فقال بعضهم :