تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
يَعْقِلُونَ بِها . . .
فِي الصُّدُورِ
يقول تعالى ذكره : أفلم يسيروا هؤلاء المكذبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد ، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذبي رسل الله الذين خلوا من قبلهم ، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب ، وأوطانهم ومساكنهم ، فيتفكروا فيها ويعتبروا بها ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها سنة الله فيمن كفر وعبد غيره وكذب رسله ، فينيبوا من عتوهم وكفرهم ، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحق .
قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
حجج الله على خلقه وقدرته على ما بينا .
أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها
يقول : أو آذان تصغي لسماع الحق فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل . وقوله :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
يقول : فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ويروها ، بل يبصرون ذلك بأبصارهم ؛ ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن أنصار الحق ومعرفته . والهاء في قوله :
فَإِنَّها لا تَعْمَى
هاء عماد ، كقول القائل : إنه عبد الله قائم . وقد ذكر أن ذلك فإنها في قراءة عبد الله : " فإنه لا تعمى الأبصار " . وقيل :
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
والقلوب لا تكون إلا في الصدور ، توكيدا للكلام ، كما قيل :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
يقول تعالى ذكره : ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بما تعدهم من عذاب الله على شركهم به وتكذيبهم إياك فيما أتيتهم به من عند الله في الدنيا ، ولن يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه ونقمته بهم في عاجل الدنيا . ففعل ذلك ، ووفى لهم بما وعدهم ، فقتلهم يوم بدر . واختلف أهل التأويل في اليوم الذي قال جل ثناؤه :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
أي يوم هو ؟ فقال بعضهم : هو من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
قال : من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ
الآية ، قال : هي مثل قوله في " ألم تنزيل " سواء ، هو هو ؛ الآية . وقال آخرون : بل هو من أيام الآخرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا سعيد الجريري ، عن أبي نضرة عن سمير بن نهار ، قال : قال أبو هريرة : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم . قلت : وما نصف يوم ؟ قال : أو ما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قال :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
. حدثنا ابن بشار ، قال : ثني عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ
قال : من أيام الآخرة . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة ، أنه قال في هذه الآية :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
قال : هذه أيام الآخرة . وفي قوله :
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
قال : يوم القيامة ؛ وقرأ :
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً
وقد اختلف في وجه صرف الكلام من الخبر عن استعجال الذين استعجلوا العذاب إلى الخبر عن طول اليوم عند الله ، فقال بعضهم : إن القوم استعجلوا العذاب في الدنيا ، فأنزل الله :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
في أن ينزل ما وعدهم من العذاب في الدنيا . وإن يوما عند ربك من عذابهم في الدنيا والآخرة كألف سنة مما تعدون في الدنيا . وقال آخرون : قيل ذلك كذلك إعلاما من الله مستعجليه العذاب أنه لا يعجل ، ولكنه يمهل إلى أجل أجله ، وأن البطيء عندهم قريب عنده ، فقال لهم : مقدار اليوم عندي ألف سنة مما تعدونه