تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أنتم أيها القوم من أيامكم ، وهو عندكم بطئ وهو عندي قريب . وقال آخرون : معنى ذلك : وإن يوما من الثقل وما يخاف كألف سنة . والقول الثاني عندي أشبه بالحق في ذلك ؛ وذلك إن الله تعالى ذكره أخبر عن استعجال المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب ، ثم أخبر عن مبلغ قدر اليوم عنده ، ثم أتبع ذلك قوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ
فأخبر عن إملائه أهل القرية الظالمة وتركه معاجلتهم بالعذاب ، فبين بذلك أنه عنى بقوله :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
نفي العجلة عن نفسه ووصفها بالأناة والانتظار . وإذ كان ذلك كذلك ، كان تأويل الكلام : وإن يوما من الأيام التي عند الله يوم القيامة ، يوم واحد كألف سنة من عددكم ، وليس ذلك عنده ببعيد وهو عندكم بعيد ؛ فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلغ غاية مدته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ
يقول تعالى ذكره :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها
يقول : أمهلتهم وأخرت عذابهم ، وهم بالله مشركون ولأمره مخالفون وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جل ثناؤه فلم أعجل بعذابهم .
ثُمَّ أَخَذْتُها
يقول : ثم أخذتها بالعذاب ، فعذبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم .
وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
يقول : وإلي مصيرهم أيضا بعد هلاكهم ، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له ؛ يقول تعالى ذكره : فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك ، وأن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم ، فإني آخذهم بالعذاب فقاتلهم بالسيف ثم إلي مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدموا من آثامهم . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . . .
الصَّالِحاتِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم ، اتباعا منهم لكل شيطان مريد :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا وعذابه في الآخرة أن تصلوه
مُبِينٌ
يقول : أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك لا أملك لكم غير ذلك ، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به فإلى الله ، ليس ذلك إلي ولا أقدر عليه . ثم وصف نذارته وبشارته ، ولم يجر للبشارة ذكر ، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه ، فقال :
فَالَّذِينَ آمَنُوا
بالله ورسوله
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
منكم أيها الناس ومن غيركم .
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
يقول : لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة .
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
يقول : ورزق حسن في الجنة ؛ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قوله :
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
قال : الجنة . وقوله :
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
يقول : والذين عملوا في حججنا فصدوا عن اتباع رسولنا والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه . وقال
فِي آياتِنا
فأدخلت فيه " في " كما يقال : سعى فلان في أمر فلان . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
مُعاجِزِينَ
فقال بعضهم : معناه : مشاقين . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، أنه قرأها :
مُعاجِزِينَ
في كل القرآن ، يعني بألف ، وقال : مشاقين . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
قال : كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم ينجزون الله ، ولن يعجزوه . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . وهذان الوجهان من التأويل في ذلك مشاقين أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم على قراءة من قرأه :
فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
بالألف ، وهي قراءة عامة قراء المدينة والكوفة . وأما بعض قراء أهل مكة والبصرة فإنه قرأه : " معجزين " بتشديد الجيم ، بغير ألف ، بمعنى أنهم عجزوا