تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
احتكار الطعام بمكة . ذكر من قال ذلك : حدثني هارون بن إدريس الأصم ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن أشعث ، عن حبيب بن أبي ثابت في قوله :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
الظلم في المسجد الحرام قال : هم المحتكرون الطعام بمكة . وقال آخرون : بل ذلك كل ما كان منهيا عنه من الفعل ، حتى قول القائل : الظلم في المسجد الحرام لا والله ، وبلى والله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان له فسطاطان : أحدهما في الحل ، والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، فسئل عن ذلك ، فقال : الظلم في المسجد الحرام كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل : كلا والله ، وبلى والله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن أبي ربعي ، عن الأعمش ، قال : كان عبد الله بن عمرو يقول : الظلم في المسجد الحرام لا والله وبلى والله من الإلحاد فيه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس ، من أنه معني بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله ؛ وذلك أن الله عم بقوله :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ
ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل ، فهو على عمومه . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : ومن يرد الظلم في المسجد الحرام بأن يميل بظلم ، فيعصى الله فيه ، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له . وقد ذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ ذلك : " ومن يرد فيه " بفتح الياء بمعنى : ومن يرده بإلحاد من وردت المكان أرده . وذلك قراءة لا تجوز القراءة عندي بها لخلافها ما عليه الحجة من القراء مجمعة مع بعدها من فصيح كلام العرب . وذلك أن " يرد " فعل واقع ، يقال منه : هو يرد مكان كذا أو بلدة كذا غدا ، ولا يقال : يرد في مكان كذا . وقد زعم بعض أهل المعرفة بكلام العرب أن طيئا تقول : رغبت فيك ، تريد : رغبت بك ، وذكر أن بعضهم أنشده بيتا :
وأرغب فيها عن لقيط ورهطه * ولكنني عن سنبس لست أرغب
بمعنى : وأرغب بها . فإن كان ذلك صحيحا كما ذكرنا ، فإنه يجوز في الكلام ، فأما القراءة به غير جائزة لما وصفت . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معلمه عظيم ما ركب من قومه قريش خاصة دون غيرهم من سائر خلقه بعبادتهم في حرمه ، والبيت الذي أمر إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم ببنائه وتطهيره من الآفات والريب والشرك : واذكر يا محمد كيف ابتدأنا هذا البيت الذي يعبد قومك فيه غيري ، إذ بوأنا لخليلنا إبراهيم ، يعني بقوله : " بوأنا " : وطأنا له مكان البيت . كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور عن معمر ، عن قتادة ، قوله :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
قال : وضع الله البيت مع آدم صلى الله عليه وسلم حين أهبط آدم إلى الأرض ؛ وكان مهبطه بأرض الهند ، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض ، فكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا . وإن آدم لما فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم ، شكا ذلك إلى الله ، فقال الله : يا آدم إني قد أهبطت لك بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده كما يصلى حول عرشي ، فانطلق إليه فخرج إليه ، ومد له في خطوه ، فكان بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك حتى أتى آدم البيت ، فطاف به ومن بعده من الأنبياء . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة ، فقام هو وإسماعيل ، وأخذا المعاول ، لا يدريان أين البيت ، فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج ، لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، واتبعاها بالمعاول يحفران ، حتى وضعا الأساس ؛ فذلك حين يقول :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105 | محمد بن جرير الطبري