تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
قال ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
الحج قال : أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء . وقال آخرون في ذلك نحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ
الحج قال : الساكن ،
وَالْبادِ
الجانب ؛ سواء حق الله عليهما فيه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في قوله :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ
الحج قال : الساكن
وَالْبادِ
الجانب . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد وعطاء :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ
الحج قالا : من أهله ،
وَالْبادِ
الذي يأتونه من غير أهله هما في حرمته سواء . وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك ؛ لأن الله تعالى ذكره ذكر في أول الآية صد من كفر به من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ
ثم ذكر جل ثناؤه صفة المسجد الحرام ، فقال :
الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ
فأخبر جل ثناؤه أنه جعله للناس كلهم ، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه . ثم قال :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
فكان معلوما أن خبره عن استواء العاكف فيه والباد ، الحج إنما هو في المعنى الذي ابتدأ الله الخبر عن الكفار أنهم صدوا عنه المؤمنين به ؛ وذلك لا شك طوافهم وقضاء مناسكهم به والمقام ، لا الخبر عن ملكهم إياه وغير ملكهم . وقيل :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فعطف ب " يصدون " وهو مستقبل على " كفروا " وهو ماض ، لأن الصد بمعنى الصفة لهم والدوام . وإذا كان ذلك معنى الكلام ، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال ، ولا يكون بلفظ الماضي . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام : إن الذين كفروا من صفتهم الصد عن سبيل الله ، وذلك نظير قول الله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
وأما قوله :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ
فإن قراء الأمصار على رفع " سواء " ب " العاكف " ، و " العاكف " به ، وإعمال " جعلناه " في الهاء المتصلة به ، واللام التي في قوله " للناس " ، ثم استأنف الكلام ب " سواء " وكذلك تفعل العرب ب " سواء " إذا جاءت بعد حرف قد تم الكلام به ، فتقول : مررت برجل سواء عنده الخير والشر ، وقد يجوز في ذلك الخفض . وإنما يختار الرفع في ذلك لأن " سواء " في مذهب واحد عندهم ، فكأنهم قالوا : مررت برجل واحد عنده الخير والشر . وأما من خفضه فإنه يوجهه إلى معتدل عنده الخير والشر ، ومن قال ذلك في سواء فاستأنف به ورفع لم يقله في " معتدل " ، لأن " معتدل " فعل مصرح ، وسواء مصدر فأخراجهم إياه إلى الفعل كإخراجهم حسب في قولهم : مررت برجل حسبك من رجل إلى الفعل . وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه :
سَواءً
نصبا على إعمال " جعلناه " فيه ، وذلك وإن كان له وجه في العربية ، فقراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القراء على خلافه . وقوله :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
يقول تعالى ذكره : ومن يرد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم ، الظلم في المسجد الحرام وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم . وأدخلت الباء في قوله " بإلحاد " والمعنى فيه ما قلت ، كما أدخلت في قوله :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
والمعنى : تنبت الدهن ، كما قال الشاعر :
بواد يمان ينبت الشث صدره * وأسفله بالمرخ والشبهان
والمعنى : وأسفله ينبت المرخ والشبهان ؛ وكما قال أعشى بني ثعلبة :
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا * بين المراجل والصريح الأجرد
بمعنى : ضمنت رزق عيالنا أرماحنا ؛ في قول بعض نحويي البصريين . وأما بعض نحويي الكوفيين فإنه كان يقول : أدخلت الياء فيه ، لأن تأويله : ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم . وكان يقول : دخول الباء في " أن " أسهل منه في " إلحاد " وما أشبهه ، لأن " أن " تضمر الخوافض معها كثيرا وتكون كالشرط ، فاحتملت دخول
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 103 | محمد بن جرير الطبري