تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
تعالى ذكره ، مخبرا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنة :
إِنَّ لَكَ
يا آدم
أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى
. و " أن " في قوله
أَلَّا تَجُوعَ فِيها
في موضع نصب بأن التي في قوله :
إِنَّ لَكَ
. وقوله :
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها
اختلفت القراء في قراءتها ، فقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة بالكسر : وإنك ، على العطف على قوله :
إِنَّ لَكَ
. وقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة والبصرة : وأنك ، بفتح ألفها عطفا بها على " أن " التي في قوله : " أن لا تجوع فيها " . ووجهوا تأويل ذلك إلى أن لك هذا وهذا ؛ فهذه القراءة أعجب القراءتين إلي ، لأن الله تبارك وتعالى ذكره وعد ذلك آدم حين أسكنه الجنة ، فكون ذلك بأن يكون عطفا على أن لا تجوع أولى من أن يكون خبر مبتدإ ، وإن كان الآخر غير بعيد من الصواب . وعني بقوله :
لا تَظْمَؤُا فِيها
لا تعطش في الجنة ما دمت فيها
وَلا تَضْحى
يقول : لا تظهر للشمس فيؤذيك حرها ، كما قال ابن أبي ربيعة :
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
يقول : لا يصيبك فيها عطش ولا حر . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
يقول : لا يصيبك حر ولا أذى . حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن شريك ، قال : ثني أبي ، عن خصيف عن سعيد بن جبير
لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
قال : لا تصيبك الشمس . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلا تَضْحى
قال : لا تصيبك الشمس . وقوله :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ
يقول : فألقى إلى آدم الشيطان وحدثه ف
قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
يقول : قال له : هل أدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت فلم تمت ، وملكت ملكا لا ينقضي فيبلى ، كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله
أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
فلا تموتان أبدا . القول في تأويل قوله تعالى وتقدس :
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما . . .
وَعَصى آدَمُ
يقول تعالى ذكره : فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها ، وأطاعا أمر إبليس ، وخالفا أمر ربهما
فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
يقول : فانكشفت لهما عوراتهما ، وكانت مستورة عن أعينهما ، كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : إنما أراد ، يعني إبليس بقوله :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
ليبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما ، بهتك لباسهما ، وكان قد علم أن لهما سوأة لما كان يقرأ من كتب الملائكة ، ولم يكن آدم يعلم ذلك ، وكان لباسهما الظفر ، فأبى آدم أن يأكل منها ، فتقدمت حواء ، فأكلت ثم قالت : يا آدم كل ، فإني قد أكلت ، فلم يضرني ، فلما أكل آدم بدت سوآتهما . وقوله :
وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
يقول : أقبلا يشدان عليهما من ورق الجنة ، كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
يقول : أقبلا يغطيان عليهما بورق التين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
يقول : يوصلان عليهما من ورق الجنة . وقوله :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
يقول : وخالف أمر ربه ، فتعدى إلى ما لم يكن له أن يتعدى إليه ، من الأكل من الشجرة التي نهاه عن الأكل منها . وقوله :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
يقول : اصطفاه ربه من بعد معصيته
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 162 | محمد بن جرير الطبري