وقوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
اختلف أهل التأويل في معنى العزم هاهنا ، فقال بعضهم : معناه الصبر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
أي صبرا . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
قال : صبرا . حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، قال : ثنا أبو النضر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة ، مثله . وقال آخرون : بل معناه : الحفظ ، قالوا : ومعناه : ولم نجد له حفظا لما عهدنا إليه . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن أبيه إدريس ، عن عطية
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
قال :
حفظا لما أمرته . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن الأشجعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عن عطية ، في قوله
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
قال : حفظا . حدثنا عباد بن محمد ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عن عطية ، في قوله
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
قال : حفظا لما أمرته به . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
يقول : لم نجد له حفظا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال :
قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
قال : العزم : المحافظة على ما أمره الله تبارك وتعالى بحفظه ، والتمسك به . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
يقول : لم نجعل له عزما . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا الحجاج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن أبي أمامة قال : لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق الله تعالى آدم إلى يوم الساعة ، ووضعت في كفة ميزان ، ووضع حلم آدم في الكفة الأخرى ، لرجع حلمه بأحلامهم ، وقد قال الله تعالى :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
. قال أبو جعفر : وأصل العزم اعتقاد القلب على الشيء ، يقال منه : عزم فلان على كذا : إذا اعتقد عليه ونواه ؛ ومن اعتقاد القلب : حفظ الشيء ، ومنه الصبر على الشيء ، لأنه لا يجزع جازع إلا من خور قلبه وضعفه . فإذا كان ذلك كذلك ، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تبارك وتعالى ، وهو قوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
فيكون تأويله : ولم نجد له عزم قلب ، على الوفاء لله بعهده ، ولا على حفظ ما عهد إليه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى . . .
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
يقول تعالى ذكره معلما نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، ما كان من تضييع آدم عهده ، ومعرفه بذلك أن ولده لن يعدوا أن يكونوا في ذلك على منهاجه ، إلا من عصمه الله منهم : واذكر يا محمد
إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى
أن يسجد له .
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ
ولذلك من شنآنه لم يسجد لك ، وخالف أمري في ذلك وعصاني ، فلا تطيعاه فيما يأمر كما به ، فيخرجكما بمعصيتكما ربكما ، وطاعتكما له
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
يقول : فيكون عيشك من كد يدك ، فذلك شقاؤه الذي حذره به ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، قال :
أهبط إلى آدم ثور أحمر ، فكان يحرث عليه ، ويمسح العرق من جبينه ، فهو الذي قال الله تعالى ذكره :
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
فكان ذلك شقاءه . وقال تعالى ذكره :
فَتَشْقى
ولم يقل : فتشقيا ، وقد قال :
فَلا يُخْرِجَنَّكُما
لأن ابتداء الخطاب من الله كان لآدم عليه السلام فكان في إعلامه العقوبة على معصيته إياه ، فيما نهاه عنه من أكل الشجرة ، الكفاية من ذكر المرأة ، إذ كان معلوما أن حكمها في ذلك حكمه ، كما قال :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
اجتزئ بمعرفة السامعين معناه ، من ذكر فعل صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها
يقول