تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
أيضا حكمه التنوين ، وهو عندي اسم الوادي . وإذ كان ذلك كذلك ، فهو في موضع خفض ردا على الوادي . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة القراء الذين قرءوا : " وأنا " بتشديد النون ، و
أَنَا
بفتح الألف من " أنا " ردا على : نودي يا موسى ، كأن معنى الكلام عندهم : نودي يا موسى إني أنا ربك ، وأنا اخترتك ، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قراء الكوفة . وأما عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرءوه :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ
بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قراء أهل العلم بالقرآن ، مع اتفاق معنييهما . فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه . وتأويل الكلام : نودي أنا اخترناك ، فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه
فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
يقول : فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه ، واعمل به .
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
يقول تعالى ذكره : إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له ، لا إله إلا أنا فلا تعبد غيري ، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي
فَاعْبُدْنِي
يقول : فأخلص العبادة لي دون كل ما عبد من دوني
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم : معنى ذلك : أقم الصلاة لي فإنك إذا أقمتها ذكرتني . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
قال : إذا صلى ذكر ربه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
قال : إذا ذكر عبد ربه . قال آخرون : بل معنى ذلك : وأقم الصلاة حين تذكرها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم في قوله :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
قال : يصليها حين يذكرها . حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : ثني عمي عبد الله بن وهب ، قال : ثني يونس ومالك بن شهاب ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، قال الله :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
وكان الزهري يقرؤها :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
بمنزلة فعلى . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال : معناه : أقم الصلاة لتذكرني فيها ، لأن ذلك أظهر معنييه ؛ ولو كان معناه : حين تذكرها ، لكان التنزيل : أقم الصلاة لذكركها . وفي قوله :
لِذِكْرِي
دلالة بينة على صحة ما قال مجاهد في تأويل ذلك ؛ ولو كانت القراءة التي ذكرناها عن الزهري قراءة مستفيضة في قراءة الأمصار ، كان صحيحا تأويل من تأوله بمعنى : أقم الصلاة حين