يحيى بن واضح ، قال : ثنا محمد بن سهل ، قال : سألني رجل في المسجد عن هذا البيت .
دأب شهرين ثم شهرا دميكا * بأريكن يخفيان غميرا
فقلت : يظهران ، فقال ورقاء بن إياس وهو خلفي : أقرأنيها سعيد بن جبير : " أكاد أخفيها " بنصب الألف .
وقد روي عن سعيد بن جبير وفاق لقول الآخرين الذين قالوا : معناه : أكاد أخفيها من نفسي . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ومنصور ، عن مجاهد ، قالا
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
قالا : من نفسي . حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير
أَكادُ أُخْفِيها
قال : من نفسي . قال أبو جعفر : والذي هو أولى بتأويل الآية من القول ، قول من قال : معناه :
أكاد أخفيها من نفسي ، لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء . والذي ذكر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الألف قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به نقلا مستفيضا . فإن قال قائل : ولم وجهت تأويل قوله
أَكادُ أُخْفِيها
بضم الألف إلى معنى :
أكاد أخفيها من نفسي ، دون توجيهه إلى معنى : أكاد أظهرها ، وقد علمت أن للإخفاء في كلام العرب وجهين : أحدهما الإظهار ، والآخر الكتمان ؛ وأن الإظهار في هذا الموضع أشبه بمعنى الكلام ، إذ كان الإخفاء من نفسه يكاد عند السامعين أن يستحيل معناه ، إذ كان محالا أن يخفي أحد عن نفسه شيئا هو به عالم ، والله تعالى ذكره لا يخفى عليه خافية ؟ قيل : الأمر في ذلك بخلاف ما ظننت ، وإنما وجهنا معنى
أُخْفِيها
بضم الألف إلى معنى : أسترها من نفسي ، لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب : الستر . يقال : قد أخفيت الشيء : إذا سترته . وأن الذين وجهوا معناه إلى الإظهار ، اعتمدوا على بيت لامرئ القيس ابن عابس الكندي . حدثت عن معمر بن المثنى أنه قال : أنشدنيه أبو الخطاب ، عن أهله في بلده :
فإن تدفنوا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
بضم النون من لا تخفه ، ومعناه : لا نظهره ، فكان اعتمادهم في توجيه الإخفاء في هذا الموضع إلى الإظهار على ما ذكروا من سماعهم هذا البيت ، على ما وصفت من ضم النون من نخفه . وقد أنشدني الثقة عن الفراء :
فإن تدفنوا الداء لا نخفه
بفتح النون من نخفه ، من خفيته أخفيه ، وهو أولى بالصواب لأنه المعروف من كلام العرب . فإذا كان ذلك كذلك . وكان الفتح في الألف من أخفيها غير جائز عندنا لما ذكرنا ، ثبت وصح الوجه الآخر ، وهو أن معنى ذلك . أكاد استرها من نفسي . وأما وجه صحة القول في ذلك ، فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به