خطابهم بينهم ، فلما كان معروفا في كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد المبالغة في الخبر عن إخفائه شيئا هو له مسر : قد كدت أن أحفي هذا الأمر عن نفسي من شدة استسراري به ، ولو قدرت أخفيه عن نفسي أخفيته ، خاطبهم على حسب ما قد جرى به استعمالهم في ذلك من الكلام بينهم ، وما قد عرفوه في منطقهم . وقد قيل في ذلك أقوال غير ما قلنا ، وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقة أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين ، إذ كنا لا تستجيز الخلاف عليهم ، فيما استفاض القول به منهم ، وجاء عنهم مجيئا يقطع العذر . فأما الذين قالوا في ذلك غير قولنا ممن قال فيه على وجه الانتزاع من كلام العرب ، من غير أن يعزوه إلى إمام من الصحابة أو التابعين ، وعلى وجه يحتمل الكلام غير وجهه المعروف ، فإنهم اختلفوا في معناه بينهم ، فقال بعضهم : يحتمل معناه : أريد أخفيها ؛ قال : وذلك معروف في اللغة . وذكر أنه حكي عن العرب أنهم يقولون : أولئك أصحابي الذين أكاد أنزل عليهم ، وقال : معناه : لا أنزل إلا عليهم . قال : وحكي : أكاد أبرح منزلي : أي ما أبرح منزلي ، واحتج ببيت أنشده لبعض الشعراء :
كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من عمد الصبابة ما مضى
وقال : يريد : بكادت : أرادت ؛ قال : فيكون المعنى : أريد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . قال : ومما يشبه ذلك قول زيد الخيل :
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما إن يكاد قرنه يتنفس
وقال : كأنه قال : فما يتنفس قرنه ، وإلا ضعف المعنى ؛ قال : وقال ذو الرمة :
إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح
قال : وليس المعنى : لم يكد يبرح : أي بعد يسر ، ويبرح بعد عسر ؛ وإنما المعنى : لم يبرح ، أو لم يرد يبرح ، وإلا ضعف المعنى ؛ قال : وكذلك قول أبي النجم :
وإن أتاك نعي فاندبن أبا * قد كاد يضطلع الأعداء والخطبا
وقال : يكون المعنى : قد اضطلع الأعداء ، وإلا لم يكن مدحا إذا أراد كاد ولم يرد يفعل . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن الساعة آتية ، أكاد ، قال : وانتهى الخبر عند قوله أكاد لأن معناه : أكاد أن آتي بها ؛ قال : ثم ابتدأ فقال : ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . قال : وذلك نظير قول ابن ضابئ :
هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي أقاربه
فقال : كدت ، ومعناه : كدت أفعل . وقال آخرون : معنى
أُخْفِيها
أظهرها ، وقالوا : الإخفاء والإسرار