ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن ، لأن ما ظهر وكان فغير سر ، وأن ما لم يكن وهو غير كائن فلا شيء ، وأن ما لم يكن وهو كائن فهو أخفى من السر ، لأن ذلك لا يعلمه إلا الله ، ثم من أعلمه ذلك من عباده . وأما قوله تعالى ذكره :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
فإنه يعني به : المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له . يقول : فإياه فاعبدوا أيها الناس دون ما سواه من الآلهة والأوثان
لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
يقول جل ثناؤه : لمعبودكم أيها الناس الأسماء الحسنى ، فقال : الحسنى ، فوحد ، وهو نعت للأسماء ، ولم يقل الأحاسن ، لأن الأسماء تقع عليها هذه ، فيقال : هذه أسماء ، وهذه في لفظة واحدة ؛ ومنه قول الأعشى :
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به * رب غفور وبيض ذات أطهار
فوحد ذات ، وهو نعت للبيض لأنه يقع عليها هذه ، كما قال :
حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ
ومنه قوله جل ثناؤه :
مَآرِبُ أُخْرى
فوحد أخرى ، وهي نعت لمآرب ، والمآرب : جمع ، واحدتها : مأربة ، ولم يقل أخر ، لما وصفنا ، ولو قيل : أخر ، لكان صوابا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسليه عما يلقى من الشدة من مشركي قومه ، ومعرفه ما إليه صائر أمره وأمرهم ، وأنه معليه عليهم ، وموهن كيد الكافرين ، ويحثه على الجد في أمره ، والصبر على عبادته ، وأن يتذكر فيما ينوبه فيه من أعدائه من مشركي قومه وغيرهم ، وفيما يزاول من الاجتهاد في طاعته ما ناب أخاه موسى صلوات الله عليه من عدوه ، ثم من قومه ، ومن بني إسرائيل وما لقي فيه من البلاء والشدة طفلا صغيرا ، ثم يافعا مترعرعا ، ثم رجلا كاملا :
وَهَلْ أَتاكَ
يا محمد
حَدِيثُ مُوسى
ابن عمران .
إِذْ رَأى ناراً
؟ ذكر أن ذلك كان في الشتاء ليلا ، وأن موسى كان أضل الطريق ؛ فلما رأى ضوء النار
فَقالَ لِأَهْلِهِ
ما قال . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لما قضى موسى الأجل ، سار بأهله فضل الطريق . قال عبد الله بن عباس : كان في الشتاء ، ورفعت لهم نار ؛ فلما رآها ظن أنها نار ، وكانت من نور الله
فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً
. حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال : لما قضى موسى الأجل ، خرج ومعه غنم له ، ومعه زند له ، وعصاه في يده يهش بها على غنمه نهارا ، فإذا أمسى اقتدح بزنده نارا ، فبات عليها هو وأهله وغنمه ، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه ، فتوكأ على عصاه ، فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامته ، وابتداءه فيها بنبوته وكلامه ، أخطأ فيه الطريق حتى لا يدري أين يتوجه ، فأخرج زنده ليقتدح نارا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح ، ويعلم وجه سبيله ، فأصلد زنده فلا يورى له نارا ، فقدح حتى أعياه ، لاحت