تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
أخبرنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
يقول : تتميل . واختلف في معنى قوله :
سُجَّداً لِلَّهِ
فقال بعضهم : ظل كل شيء سجوده . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
قال : ظل كل شيء سجوده . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا إسحاق الرازي ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن الضحاك :
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
قال : سجد ظل المؤمن طوعا ، وظل الكافر كرها . وقال آخرون : بل عنى بقوله
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
كلا عن اليمين والشمائل في حال سجودها ، قالوا : وسجود الأشياء غير ظلالها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ؛ وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، قالا : ثنا حكام ، عن أبي سنان ، عن ثابت عن الضحاك ، في قول الله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
قال : إذا فاء الفيء توجه كل شيء ساجدا قبل القبلة من نبت أو شجر ، قال : فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا الحماني ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، قال : ثنا شريك ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قول الله :
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
قال : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل . وقال آخرون : بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء ، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
قال : هو سجود الظلال ، ظلال كل شيء ما في السماوات وما في الأرض من دابة ، قال : سجود ظلال الدواب ، وظلال كل شيء . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
ما خلق من كل شيء عن يمينه وشمائله ، فلفظ ما لفظ عن اليمين والشمائل ، قال : ألم تر أنك إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلا ، وقبض الله الظل . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد ، وسجودها : ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب وناحية إلى ناحية ، كما قال ابن عباس ؛ يقال من ذلك : سجدت النخلة إذا مالت ، وسجد البعير وأسجد : إذا أميل للركوب . وقد بينا معنى السجود في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته . وقوله :
وَهُمْ داخِرُونَ
يعني : وهم صاغرون ، يقال منه : دخر فلان لله يدخر دخرا ودخورا : إذا ذل له وخضع ؛ ومنه قول ذي الرمة :
فلم يبق إلا داخر في مخيس * ومنجحر في غير أرضك في جحر
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَهُمْ داخِرُونَ
صاغرون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَهُمْ داخِرُونَ
أي صاغرون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة مثله . وأما توحيد اليمين في قوله :
عَنِ الْيَمِينِ
و " الشمائل " فجمعها ، فإن ذلك إنما جاء كذلك ، لأن معنى الكلام : أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلال ما خلق
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 79 | محمد بن جرير الطبري