من شيء عن يمينه : أي ما خلق ، وشمائله . فلفظ " ما " لفظ واحد ، ومعناه معنى الجمع ، فقال : " عن اليمين " بمعنى : عن يمين ما خلق ، ثم رجع إلى معناه في الشمائل . وكان بعض أهل العربية يقول : إنما تفعل العرب ذلك ، لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد ، فيقال للرجل : خذ عن يمينك ، قال : فكأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من القوم ، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فيه ، واستشهد لفعل العرب ذلك بقول الشاعر :
بفي الشامتين الصخر إن كان هدني * رزية شبلي مخدر في الضراغم
فقال : " بفي الشامتين " ، ولم يقل : " بأفواه ؛ وقول الآخر :
الواردون وهم في ذرى سبإ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس
ولم يقل : جلود . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
يقول تعالى ذكره : ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السماوات وما في الأرض من دابة يدب عليها ، والملائكة التي في السماوات ، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة .
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
وظلالهم تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون . وكان بعض نحويي البصرة يقول : اجتزئ بذكر الواحد من الدواب عن ذكر الجميع . وإنما معنى الكلام : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من الدواب والملائكة ، كما يقال : ما أتاني من رجل ، بمعنى : ما أتاني من الرجال . وكان بعض نحويي الكوفة يقول :
إنما قيل : من دابة ، لأن " ما " وإن كانت قد تكون على مذهب الذي ، فإنها غير مؤقتة ، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء ، والجزاء يدخل من فيما جاء من اسم بعده من النكرة ، فيقال : من ضربه من رجل فاضربوه ، ولا تسقط " من " من هذا الموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالا لي " من " و " ما " ، فجعلوه بمن ليدل على أنه تفسير لما ومن لأنهما غير مؤقتتين ، فكان دخول من فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما ، وكان دخول من أدل على ما لم يوقت من من وما ، فلذلك لم تلغيا . القول في تأويل قوله تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
يقول تعالى ذكره : يخاف هؤلاء الملائكة التي في السماوات وما في الأرض من دابة ، ربهم من فوقهم ، أن يعذبهم إن عصوا أمره .
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
يقول : ويفعلون ما أمرهم الله به ، فيؤدون حقوقه ويجتنبون سخطه .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
يقول تعالى ذكره : وقال الله لعباده : لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس ، ولا تعبدوا .
معبودين ، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا ، ولا شريك لي ، إنما هو إله واحد ومعبود واحد ، وأنا ذلك .
فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
يقول : فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري ، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره : ولله ملك ما في السماوات والأرض من شيء ، لا شريك له في شيء من ذلك ، هو الذي خلقهم ، وهو الذي يرزقهم ، وبيده حياتهم وموتهم . وقوله :
وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
يقول جل ثناؤه : وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا ، يقال منه : وصب