ذكره : أفغير الله أيها الناس تتقون ، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم ، وإفرادكم الطاعة له ، وما لكم نافع سواه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله :
فَمِنَ اللَّهِ
فقال بعض البصريين : دخلت الفاء ، لأن " ما " بمنزلة " من " فجعل الخبر بالفاء .
وقال بعض الكوفيين : " ما " في معنى جزاء ، ولها فعل مضمر ، كأنك قلت : ما يكن بكم من نعمة فمن الله ، لأن الجزاء لا بد له من فعل مجزوم ، إن ظهر فهو جزم ، وإن لم يظهر فهو مضمر ؛ كما قال الشاعر :
إن العقل في أموالنا لا نضق به * ذراعا وإن صبرا فنعرف للصبر
وقال : أراد : إن يكن العقل فأضمره . قال : وإن جعلت " ما بكم " في معنى " الذي " جاز ، وجعلت صلته " بكم " و " ما " في موضع رفع بقوله :
فَمِنَ اللَّهِ
؛ وأدخل الفاء كما قال :
إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
وكل اسم وصل مثل " من " و " ما " و " الذي " ، فقد يجوز دخول الفاء في خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يجاب بالفاء ، ولا يجوز أخوك فهو قائم ، لأنه اسم غير موصول ، وكذلك تقول : مالك لي ، فإن قلت : مالك ، جاز أن تقول :
مالك فهو لي ، وإن ألقيت الفاء فصواب . وتأويل الكلام : ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة وفي أموالكم من نماء ، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره ، لأن ذلك إليه وبيده .
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
يقول : إذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض وعلة عارضة وشدة من عيش ،
فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
يقول : فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به ، ليكشف ذلك عنكم . وأصله :
من جؤار الثور ، يقال منه : جأر الثور يجأر جوارا ، وذلك إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو غيره ؛ ومنه قول الأعشى :
وما أيبلي على هيكل * بناه وصلب فيه وصارا
يراوح من صلوات الملي * ك طورا سجودا وطورا جؤارا
يعني بالجؤار : الصياح ، إما بالدعاء وإما بالقراءة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ؛ وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
قال : تضرعون دعاء . حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : الضر : السقم .
القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
يقول تعالى ذكره : ثم إذا وهب لكم ربكم العافية ، ورفع عنكم ما أصابكم من المرض في أبدانكم ومن الشدة في معاشكم ، وفرج البلاء عنكم ؛
إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
يقول : إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم ، فيعبدون الأوثان ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج مما كانوا فيه من الضر .