تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
يقول : بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم الله ، ويجحدون آياته ، ويكذبون رسوله . وقال :
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية ، لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها ، فإن المراد أهلها ؛ فلذلك قيل :
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
فرد الخبر إلى أهل القرية ، وذلك نظير قوله :
فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ
ولم يقل قائلة ، وقد قال قبله :
فَجاءَها بَأْسُنا
، لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية ؛ ونظائر ذلك في القرآن كثيرة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ
يقول تعالى ذكره : ولقد جاء أهل هذه القرية التي وصف الله صفتها في هذه الآية التي قبل هذه الآية
رَسُولٌ مِنْهُمْ
يقول : رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، يقول : من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته ، يدعوهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم .
فَكَذَّبُوهُ
ولم يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله .
فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ
وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع الذي كان قبل ذلك يرزقونه ، وقتل بالسيف .
وَهُمْ ظالِمُونَ
يقول : وهم مشركون ، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ
إي والله ، يعرفون نسبه وأمره .
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ
، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل . القول في تأويل قوله تعالى :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
يقول تعالى ذكره : فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم حلالا طيبا مذكاة غير محرمة عليكم .
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
يقول : واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحل لكم من ذلك ، وعلى غير ذلك من نعمه .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
يقول : إن كنتم تعبدون الله ، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم . وكان بعضهم يقول : إنما عنى بقوله :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
طعاما كان بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من قومه في سني الجدب والقحط رقة عليهم ، فقال الله تعالى للمشركين : فكلوا مما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إليكم حلالا طيبا . وذلك تأويل بعيد مما يدل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ
الآية والتي بعدها ، فبين بذلك أن قوله :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
إعلام من الله عباده أن ما كان المشركون يحرمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما قد بينا قبل فيما مضى لا معنى له ، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان ، فإن كل ذلك حلال لم يحرم الله منه شيئا . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره مكذبا المشركين الذين كانوا يحرمون ما ذكرنا من البحائر وغير ذلك : ما حرم الله عليكم أيها الناس إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح للأنصاب فسمي عليه غير الله ؛ لأن ذلك من ذبائح من لا يحل أكل ذبيحته ، فمن اضطر إلى ذلك أو إلى شيء منه لمجاعة حلت فأكله
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الاضطرار يقول : ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة ، رحيم به أن يعاقبه عليه . وقد بينا اختلاف المختلفين في قوله :
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 126 | محمد بن جرير الطبري