ولا يحاربون في بلدهم ، فذلك كان أمنها . وقوله :
مُطْمَئِنَّةً
يعني : قارة بأهلها ، لا يحتاج أهلها إلى النجع كما كان سكان البوادي يحتاجون إليها .
يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً
يقول : يأتي أهلها معايشهم واسعة كثيرة .
وقوله :
مِنْ كُلِّ مَكانٍ
يعني : من كل فج من فجاح هذه القرية ومن كل ناحية فيها . وبنحو الذي قلنا في أن القرية التي ذكرت في هذا الموضع أريد بها مكة قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ
يعني : مكة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
قال : مكة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
قال : ذكر لنا أنها مكة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً
قال : هي مكة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
إلى آخر الآية . قال : هذه مكة . وقال آخرون : بل القرية التي ذكر الله في هذا الموضع مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : ثني عبد الرحمن بن شريح ، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي ، حدث أنه سمع مشرح بن عاهان ، يقول : سمعت سليم بن نمير يقول : صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان محصور بالمدينة ؛ فكانت تسأل عنه ما فعل ، حتى رأت راكبين ، فأرسلت إليهما تسألهما ، فقالا : قتل فقالت حفصة : والذي نفسي بيده إنها القرية ، تعني المدينة التي قال الله تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
قرأها . قال أبو شريح : وأخبرني عبد الله بن المغيرة عمن حدثه ، أنه كان يقول : إنها المدينة . وقوله :
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
يقول : فكفر أهل هذه القرية بأنعم الله التي أنعم عليها . واختلف أهل العربية في واحد " الأنعم " ، فقال بعض نحويي البصرة : جمع النعمة على أنعم ، كما قال الله :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ
فزعم أنه جمع الشدة . وقال آخر منهم الواحد نعم ، وقال : يقال : أيام طعم ونعم : أي نعيم ، قال :
فيجوز أن يكون معناها : فكفرت بنعيم الله لها . واستشهد على ذلك بقول الشاعر :
وعندي قروض الخير والشر كله * فبؤس لذي بؤس ونعم بأنعم
وكان بعض أهل الكوفة يقول : أنعم : جمع نعماء ، مثل بأساء وأبؤس ، وضراء وأضر ؛ فأما الأشد فإنه زعم أنه جمع شد . وقوله :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
يقول تعالى ذكره : فأذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع ؛ وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم ، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللباس لها . وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أكلوا العلهز والجيف . قال أبو جعفر : والعلهز : الوبر يعجن بالدم والقراد يأكلونه . وأما الخوف فإن ذلك كان خوفهم من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت تطيف بهم . وقوله :
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ