تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ثنا محمد بن شريك ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم ، فأصيب بعضهم وقتل بعض ، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ، وأكرهوا فاستغفروا لهم ، فنزلت
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
إلى آخر الآية ، قال : وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية ، لا عذر لهم ، قال : فخرجوا فلحقهم المشركون ، فأعطوهم الفتنة ، فنزلت هذه الآية
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
، إلى آخر الآية ، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأيسوا من كل خير ، ثم نزلت فيهم
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
، فكتبوا إليهم بذلك ، إن الله قد جعل لكم مخرجا ، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم ثم نجا من نجا وقتل من قتل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، قال : نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا
. وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في شأن ابن أبي سرح . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا في سورة النحل :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
ثم نسخ واستثنى من ذلك ، فقال :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأزله الشيطان ، فلحق بالكفار ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة ، فاستجار له أبو عمرو ، فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : إن ربك من بعدها لغفور رحيم
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ
تخاصم عن نفسها ، وتحتج عنها بما أسلفت في الدنيا من خير أو شر أو إيمان أو كفر .
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ
في الدنيا من طاعة ومعصية .
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
يقول : وهم لا يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما قدموه من خير أو شر ، فلا يجزى المحسن إلا بالإحسان ولا المسئ إلا بالذي أسلف من الإساءة ، لا يعاقب محسن ولا يبخس جزاء إحسانه ، ولا يثاب مسيء إلا ثواب عمله . واختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله قيل " تجادل " فأنث الكل ، فقال بعض نحويي البصرة : قيل ذلك لأن معنى كل نفس : كل إنسان ، وأنث لأن النفس تذكر وتؤنث ، يقال : ما جاءني نفس واحد وواحدة . وكان بعض أهل العربية يرى هذا القول من قائله غلطا ويقول : " كل " إذا أضيفت إلى نكرة واحدة خرج الفعل على قدر النكرة : كل امرأة قائمة ، وكل رجل قائم ، وكل امرأتين قائمتان ، وكل رجلين قائمان ، وكل نساء قائمات ، وكل رجال قائمون ، فيخرج على عدد النكرة وتأنيثها وتذكيرها ، ولا حاجة به إلى تأنيث النفس وتذكيرها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ
يقول الله تعالى ذكره . ومثل الله مثلا لمكة التي سكانها أهل الشرك بالله هي القرية التي كانت آمنة مطمئنة . وكان أمنها أن العرب كانت تتعادى ويقتل بعضها بعضا ويسبي بعضها بعضا ، وأهل مكة لا يعار عليهم
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 124 | محمد بن جرير الطبري