تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ لا جَرَمَ
يقول تعالى ذكره : هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس ، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم ، فختم عليها بطابعه ، فلا يؤمنون ولا يهتدون ، وأصم أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى ، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعط .
وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
يقول : وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون عما أعد الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم . وقوله :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
الهالكون ، الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا . . .
مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ
يا محمد
لِلَّذِينَ هاجَرُوا
ديارهم ومساكنهم وعشائرهم من المشركين وانتقلوا عنهم إلى ديار أهل الإسلام ومساكنهم وأهل ولايتهم من بعد ما فتنهم المشركون الذين كانوا بين أظهرهم قبل هجرتهم عن دينهم
ثُمَّ جاهَدُوا
المشركين بعد ذلك بأيديهم بالسيف وبألسنتهم بالبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله
وَصَبَرُوا
على جهادهم
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول : إن ربك من بعد فعلتهم هذه لهم
لَغَفُورٌ
يقول : لذو ستر على ما كان منهم من إعطاء المشركين ما أرادوا منهم من كلمة الكفر بألسنتهم وهم لغيرها مضمرون وللأيمان معتقدون
رَحِيمٌ
بهم أن يعاقبهم عليها مع إنابتهم إلى الله وتوبتهم . وذكر عن بعض أهل التأويل : أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا تخلفوا بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد المشركون عليهم حتى فتنوهم عن دينهم فأيسوا من التوبة فأنزل الله فيهم هذه الآية فهاجروا ولحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك ، حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان . قال : ناس من أهل مكة آمنوا ، فكتب إليهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، أن هاجروا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة ، فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم وكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت هذه الآية . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريح ، عن مجاهد بنحوه ، قال ابن جريح : قال الله تعالى ذكره :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ
، ثم نسخ واستثنى فقال :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
. حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
، ذكر لنا أنه لما أنزل الله ، إن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا ، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة ، فلما جاءهم ذلك ، تبايعوا بينهم على أن يخرجوا ، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة ، قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله ، فخرجوا فأدركهم المشركون ، فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ومنهم من نجا ، فأنزل الله تعالى
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
، الآية . حدثنا أحمد بن منصور ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال :