والصواب عندنا من القول في ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته . حدثنا بشر ، قال :
ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ
الآية ؛ قال : وإن الإسلام دين مطهر طهره الله من كل سوء ، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطرت إلى شيء من ذلك الاضطرار . قوله
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
الاضطرار غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام ، وهو يجد عنه مندوحة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
فتكون تصف الكذب ، بمعنى : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب ، فتكون " ما " بمعنى المصدر . وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ : " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب " هذا بخفض الكذب ، بمعنى : ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم ،
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
فيجعل الكذب ترجمة عن " ما " التي في " لما " ، فتخفضه بما تخفض به " ما " . وقد حكي عن بعضهم : " لما تصف ألسنتكم الكذب " برفع " الكذب " ، فيجعل الكذب من صفة الألسنة ، ويخرج على فعل على أنه جمع كذوب وكذب ، مثل شكور وشكر . والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب " الكذب " لإجماع الحجة من القراء عليه .
فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم : هذا حلال ، وهذا حرام ، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذب ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرمون ، ولا أحل كثيرا مما تحلون تحريم حلال الله . ثم تقدم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
يقول : إن الذين يتخرصون على الله الكذب ويختلقونه ، لايخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها ، إنما يتمتعون فيها قليلا . وقال :
مَتاعٌ قَلِيلٌ
فرفع ، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل ، أو لهم متاع قليل في الدنيا . وقوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
يقول : ثم إلينا مرجعهم ومعادهم ، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم .
" وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال :
ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
في البحيرة والسائبة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : البحائر والسوائب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
يقول تعالى ذكره : وحرمنا من قبلك يا محمد على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام ، وذاك كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم حرمة كل ذي ظفر على اليهود .
وَما ظَلَمْناهُمْ
بتحريمنا ذلك عليهم ،
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
فجزيناهم ذلك ببغيهم على ربهم وظلمهم أنفسهم بمعصية الله ، فأورثهم ذلك عقوبة الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ