تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
تصديدا ، إلا أن يكون صاحب هذا القول وجه التصدية إلى أنه من صددت ، ثم قلبت إحدى داليه ياء ، كما يقال : تظنيت من ظننت ، وكما قال الراجز :
تقضي البازي إذا البازي كسر
يعني : تقضض البازي ، فقلب إحدى ضاديه ياء ، فيكون ذلك وجها يوجه إليه . ذكر من قال ما ذكرنا في تأويل التصدية : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا طلحة بن عمرو ، عن سعيد بن جبير :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
صدهم عن بيت الله الحرام . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن سليمان ، قال : أخبرنا طلحة بن عمرو ، عن سعيد بن جبير :
وَتَصْدِيَةً
قال : التصدية : صدهم الناس عن البيت الحرام . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَتَصْدِيَةً
قال : التصدية عن سبيل الله ، وصدهم عن الصلاة وعن دين الله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
قال : ما كان صلاتهم التي يزعمون أنها يدرأ بها عنهم إلا مكاء وتصدية ، وذلك ما لا يرضى الله ولا يحب ، ولا ما افترض عليهم ولا ما أمرهم به . وأما قوله :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
فإنه يعني العذاب الذي وعدهم به بالسيف يوم بدر ، يقول للمشركين الذين قالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
الآية ، حين أتاهم بما استعجلوه من العذاب : ذوقوا : أي أطعموا ، وليس بذوق بفم ، ولكنه ذوق بالحس ، ووجود طعم ألمه بالقلوب . يقول لهم : فذوقوا العذاب بما كنتم تجحدون أن الله معذبكم به على جحودكم توحيد ربكم ورسالة نبيكم صلى الله عليه وسلم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
أي ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
قال : هؤلاء أهل بدر يوم عذبهم الله . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
يعني أهل بدر عذبهم الله يوم بدر بالقتل والأسر . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
يقول تعالى ذكره : إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم ، فيعطونها أمثالهم من المشركين ليتقووا بها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، ليصدوا المؤمنين بالله ورسوله ، عن الإيمان بالله ورسوله ، فسينفقون أموالهم في ذلك
ثُمَّ تَكُونُ
نفقتهم تلك
عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
يقول : تصير ندامة عليهم ، لأن أموالهم تذهب ، ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله ، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله ، لأن الله معلي كلمته ، وجاعل كلمة الكفر السفلى ، ثم يغلبهم المؤمنون ، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم ، فيعذبون فيها ، فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك أما الحي فخرب ماله وذهب باطلا في غير درك ولا نفع ورجع مغلوبا مقهورا محزونا مسلوبا ؛ وأما الهالك : فقتل وسلب وعجل به إلى نار الله يخلد فيها ، نعوذ بالله من غضبه وكان الذي تولى النفقة التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر أبا سفيان . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
الآية
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة ، فقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين يقول فيهم كعب بن مالك :
وجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نظنه * ثلاث مئين إن كثرن فأربع