الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . . .
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
يقول تعالى ذكره : يحشر الله هؤلاء الذين كفروا بربهم ، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله إلى جهنم ، ليفرق بينهم وهم أهل الخبث كما قال وسماهم
الْخَبِيثَ
، وبين المؤمنين بالله وبرسوله ، وهم الطيبون ، كما سماهم جل ثناؤه . فميز جل ثناؤه بينهم بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جناته ، وأنزل أهل الكفر ناره . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
فميز أهل السعادة من أهل الشقاوة . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : ثم ذكر المشركين ، وما يصنع بهم يوم القيامة ، فقال :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
يقول :
يميز المؤمن من الكافر .
وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ
. ويعني جل ثناؤه بقوله :
وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ
فيحمل الكفار بعضهم فوق بعض .
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً
يقول : فنجعلهم ركاما ، وهو أن يجمع بعضهم إلى بعض حتى يكثروا ، كما قال جل ثناؤه في صفة السحاب :
ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً
أي مجتمعا كثيفا . وكما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً
قال : فيجمعه جميعا بعضه على بعض . وقوله :
فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ
يقول : فيجعل الخبيث جميعا في جهنم ، فوحد الخبر عنهم لتوحيد قوله :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ
، ثم قال :
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
فجمع ولم يقل : ذلك هو الخاسر ، فرده إلى أول الخبر . ويعني ب " أولئك " الذين كفروا ، وتأويله : هؤلاء الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله هم الخاسرون . ويعني بقوله :
الْخاسِرُونَ
الذين غبنت صفقتهم وخسرت تجارتهم ؛ وذلك أنهم شروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة ، وتعجلوا بإنفاقهم إياها فيما أنفقوا من قتال نبي الله والمؤمنين به الخزي والذل . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للذين كفروا من مشركي قومك : إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ورسوله وقتالك وقتال المؤمنين فينيبوا إلى الإيمان ، يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم .
وَإِنْ يَعُودُوا
يقول :
وإن يعد هؤلاء المشركون لقتالك بعد الوقعة التي أوقعتها بهم يوم بدر ، فقد مضت سنتي في الأولين منهم ببدر ومن غيرهم من القرون الخالية إذ طغوا وكذبوا رسلي ولم يقبلوا نصحهم من إحلال عاجل النقم بهم ، فأحل بهؤلاء إن عادوا لحربك وقتالك مثل الذين أحللت بهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم قبل ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
قال : في قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال في قوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا
لحربك ،
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
أي من قتل منهم يوم بدر . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وإن يعودوا لقتالك ، فقد مضت سنة الأولين من أهل بدر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
قتال الكفار يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : وإن يعد هؤلاء لحربك ، فقد رأيتم سنتي فيمن قاتلكم منهم يوم بدر ، وأنا