تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
فِيهِمْ
يعني : أهل مكة ، يقول : لم أكن لأعذبكم وفيكم محمد . ثم قال :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
يعني : يؤمنون ويصلون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
قال : وهم يصلون . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما كان الله ليعذب المشركين وهم يستغفرون . قالوا : ثم نسخ ذلك بقوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
. ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قال في الأنفال :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
فنسختها الآية التي تليها :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
إلى قوله :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
فقوتلوا بمكة ، وأصابهم فيها الجوع والحصر . وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال : تأويله : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد وبين أظهرهم مقيم ، حتى أخرجك من بين أظهرهم ؛ لأني لا أهلك قرية وفيها نبيها . وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم ، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك ، بل هم مصرون عليه ، فهم للعذاب مستحقون ، كما يقال : ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء إلي ، يراد بذلك : لا أحسن إليك إذا أسأت إلي ولو أسأت إلي لم أحسن إليك ، ولكن أحسن إليك لأنك لا تسيء إلي ؛ وكذلك ذلك . ثم قيل :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
بمعنى : وما شأنهم وما يمنعهم أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فيؤمنوا به ، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام . وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب ، لأن القوم أعني مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب ، فقالوا : اللهم إن كان ما جاء به محمد هو الحق ، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فقال الله لنبيه : ما كنت لأعذبهم وأنت فيهم وما كنت لأعذبهم لو استغفروا ، وكيف لا أعذبهم بعد إخراجك منهم وهم يصدون عن المسجد الحرام فأعلمه جل ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل ، وأعلمهم حال نزوله بهم ، وذلك بعد إخراجه إياه من بين أظهرهم . ولا وجه لإيعادهم العذاب في الآخرة ، وهم مستعجلوه في العاجل ، ولا شك أنهم في الآخرة إلى العذاب صائرون ، بل في تعجيل الله لهم ذلك يوم بدر الدليل الواضح على أن القول في ذلك ما قلنا . وكذلك لا وجه لقول من وجه قوله :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
إلى أنه عنى به المؤمنين ، وهو في سياق الخبر عنهم وعما الله فاعل بهم ، ولا دليل على أن الخبر عنهم قد تقضى ، وعلى أن ذلك به عنوا ، ولا خلاف في تأويله من أهله موجود . وكذلك أيضا لا وجه لقول من قال : ذلك منسوخ بقوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
الآية ، لأن قوله جل ثناؤه :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
خبر ، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ ، وإنما يكون النسخ للأمر والنهي . واختلف أهل العربية في وجه دخول " أن " في قوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
فقال بعض نحويي البصرة : هي زائدة هاهنا ، وقد عملت كما عملت " لا " وهي زائدة ، وجاء في الشعر :
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها * إلي لام ذوو أحسابها عمرا
وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية ، وقال : لم تدخل " أن " إلا لمعنى صحيح ، لأن معنى
وَما لَهُمْ
ما يمنعهم من أن يعذبوا ، قال : فدخلت " أن " لهذا المعنى ، وأخرج ب " لا " ، ليعلم أنه بمعنى الجحد ، لأن المنع جحد . قال : و " لا " في البيت صحيح معناها ، لأن الجحد إذا وقع عليه جحد صار خبرا . وقال : ألا ترى إلى قولك : ما زيد ليس قائما ، فقد أوجبت القيام ؟ قال : وكذلك و " لا " في هذا البيت . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : وما لهؤلاء
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 156 | محمد بن جرير الطبري